السيد محمد حسين فضل الله
237
من وحي القرآن
وتعقيد العلاقات ، وضعف الإدارة ، واهتزاز الإرادة ، وتوجيه الأوضاع في اتجاه الأنانيات والذاتيات والعصبيات . . . وغير ذلك من الأمور التي تعزل الإنسان عن الساحة الرحبة الشاملة للحياة ، وتحوّله إلى كائن سلبي يدور حول نفسه أو عصبيته ، بعيدا عن الأجواء الإنسانية العامة . ولكن كيف يطلب من هارون ذلك ؟ ألم يكن شريكا له في المهمّة وفي النبوّة ؟ هل هو بحاجة إلى مثل هذه الوصية ؟ والجواب : ليس معنى هذا أنّ هارون كان لا يملك معرفة خطّ السير الذي تسير عليه النبوّات ، بل ربما أراد موسى من هذا التوجيه أن يؤكد له الفكرة من خلال الإيحاء له بالمهمة الصعبة التي تنتظره في مجال التطبيق ، في ما يعرفه - من خلال التجربة القاسية - من ضيق أفقهم ، وطفولتهم الفكرية ، والجدب الروحي الذي يهيمن على واقعهم الداخلي ، وربما أراد من ذلك أن يوحي لقومه بأن خط الإصلاح والبعد عن الفساد ليس أمرا مرهونا بوجوده ، ليكون التزامهم به التزاما من حيث الإخلاص للشخص على أساس ما يمثّله من قوّة لديهم ، بل هو أمر يحكم حياتهم في حال وجوده وغيابه ، لأنه منطلق من رسالة اللَّه التي تفرض على الإنسان أن يراقب ربّه قبل أن يراقب أيّ إنسان آخر . * * * موسى يسأل الله تعالى رؤيته وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ . ووصل موسى إلى الموعد الذي قطعه له ربّه ، وكلّمه اللَّه في ما يريد أن يوحي به إليه ، واندمج موسى في الجوّ الإلهي ، وشعر بالسعادة تغمر قلبه ، ففاضت روحه بالأشواق الروحية ، في ما توحيه كلمات اللَّه إليه وما تمثّله من معاني القرب