السيد محمد حسين فضل الله
227
من وحي القرآن
بنو إسرائيل يسألون موسى أن يجعل لهم أصناما كانوا يشعرون - في ما يبدو - أن النبوّة سلاح في المعركة ضد فرعون ، لا حقيقة إلهيّة في الحياة ضد كل ما هو زيف في الفكر وفي الواقع ، وهذا ما واجهه موسى في بداية التجربة الأولى في الأجواء الجديدة ، حيث استيقظت كل رواسب الصنميّة في الأعماق ، وبدأت تتحرك على السطح لتتحول إلى نداء متوسّل إلى موسى في القيام بصناعة أصنام لهم لتكون آلهة يعبدونها ، كما للآخرين آلهة . . فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ فيقبلون عليها ويلازمونها في عبادة وابتهال وخشوع ، فأحسّوا بالحرمان الذي يحسّ به كل من يفقد شيئا يملكه الآخرون . قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً على شكل آلهة هؤلاء ، فقد ابتعدنا عن مصر وعن معابد الآلهة التي اعتدنا العبادة فيها للأصنام ، فكيف لا يكون لنا آلهة كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ؟ ! إننا نتوسل إليك أن تنقذنا من هذا الحرمان الروحي ، كما أنقذتنا من ظلم فرعون ؟ وتلك هي الروحيّة التي كانت تحكم طريقتهم في التفكير ، وآفاقهم في الإحساس ، وخطواتهم في الممارسة . . . وشعر موسى بالمرارة ، ولكنها ليست مرارة الخيبة التي تقود إلى الإحباط وتدفع إلى اليأس ، بل هي مرارة الرسول الذي يشعر بأن ما تحتاجه المرحلة من جهد وتوعية وتربية لا زال كبيرا ، لأن القوم لم يأخذوا قضية الإيمان كقضية للفكر وللحياة ، بل أخذوها كوسيلة للخلاص من العبودية ، فإن التاريخ الطويل الذي عاشوه في أجواء الظلم والطغيان والشرك ، قد ترك تأثيره الكبير على الملامح الداخلية والخارجية لشخصيتهم ، مما يقتضي وضع خطة جديدة ، تختلف في وسائلها ، وتتنوّع في أساليبها وأشكالها . * * *