السيد محمد حسين فضل الله
22
من وحي القرآن
أي أنتم كذلك ، وفي ضده قوله : « وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر » أي لا يصلح . وأما سؤال المرسلين فليس بتقريع ولا توبيخ لهم ولكنه توبيخ للكفار وتقريع لهم . ( وثانيها ) أنهم إنما يسألون يوم القيامة كما قال : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [ الصافات : 24 ] ثم تنقطع مسألتهم عند حصولهم في العقوبة وعند دخولهم النار ، فلا تنافي بين الخبرين ، بل هو إثبات للسؤال في وقت ونفي له في وقت آخر . ( وثالثها ) أن في القيامة مواقف ، ففي بعضها يسأل وفي بعضها لا يسأل ، فلا تضاد بين الآيات . . . » « 1 » . ( ومنها ) أن الآيات النافية للسؤال إشارة إلى المساءلة الشفاهية ، والآيات المثبتة إشارة إلى المساءلة التي تقع على الجوارح وهي تتكلم بلسان الحال ، مثل حمرة وجه الإنسان خجلا من انكشاف الحال في إجرامه البارز عند ظهور الحقائق . وربما كان الأقرب للسياق في آيات نفي السؤال أنها واردة في مورد التأكيد على أن اللَّه يعلم ذنوب المذنبين وإجرام المجرمين ، فلا حاجة به إلى سؤالهم للتعرف على ذلك ، مع وضوحها عندهم من خلال ما يعرفونه من أنفسهم وما يقرءونه في كتاب الأعمال الذي يراد للإنسان قراءته ليكون الحسيب على نفسه بنفسه ، ويتطلع المجرمون إلى ما فيه فيجدونه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ولذلك فإن هناك وضوحا في قيام الحجة عليهم المبررة لعذابهم . أما آيات السؤال فهي واردة لإقامة الحجة عليهم بإظهار أعمالهم من خلال اعترافاتهم ، فلكل آية سياق يختلف عن سياق الآية الأخرى ؛ واللَّه العالم بحقائق آياته . * * *
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 615 .