السيد محمد حسين فضل الله
215
من وحي القرآن
يتّبعونك ، ويتعبدون لك ولآلهتك . وجاء المنطق الفرعوني الذي هو منطق الطغاة ، قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ فلا يبقى منهم أحد يقوى على المواجهة وحمل السلاح ، لأن الذكور هم وقود الحرب عادة ، وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ فنبقيهنّ كإماء وخدم . وماذا تغني النساء شيئا لموسى ولأخيه ؟ ولن يبقى هناك أحد في هذا الاتجاه ، ولن يبقى إلا نحن ، نحن الأقوياء الحاكمون . وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ فنحن نملك القوة القاهرة من السلاح والمال والملك والرجال ، فأين يكون هؤلاء المستضعفون ، وكيف يمكنهم أن يثبتوا أمام كلّ هذه القوة ، وكل هذا الجبروت ؟ ! * * * موسى عليه السّلام يحث قومه على الصبر والثبات وربما ترك مثل هذا التهديد أثره السلبي في نفوس قوم موسى ، الذين كانوا في موقع التجربة الأولى ، فلم يتصلّب إيمانهم بعد ، ولم تقو عزيمتهم ، بل كانوا يهتزون أمام كل وعيد ، فوقف موسى ليشدّ من عزمهم ، وليقوي إيمانهم باللَّه ، وليبعث فيهم روح الصبر والثبات ، وليفتح لهم نوافذ الأمل وأبواب الرجاء . . . قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ، فإن الوصول إلى الغايات التي يسعى إليها الإنسان يمر بأكثر من مرحلة ؛ ولكل مرحلة مشاكلها وتحدياتها وآلامها ، فلا بد من الصبر من أجل مواجهة ذلك كله ، من أجل عدم الوقوع في قبضة الانفعال الذي يشلّ عقل الإنسان وتفكيره ، ويقوده في النهاية إلى الهاوية ، فلا تتجمّدوا أمام المرحلة الحاضرة ، لتعتبروها خاتمة المطاف ، بل حاولوا التطلع إلى ما قبل هؤلاء الذين يحكمون هذه المرحلة ويسيطرون عليها ، فهم لم يكونوا شيئا في الوجود ، ولا في السلطة ، بل كان هناك قوم آخرون أورثهم اللَّه الأرض طبقا لسننه في الكون ، ومضوا كما مضى