السيد محمد حسين فضل الله

181

من وحي القرآن

لَمْ يَغْنَوْا : غني بالمكان : أقام فيه وكأنه استغنى بذلك المكان عن غيره . آسى : أحزن كثيرا . * * * شعيب وقومه وهذا نبيّ آخر أرسله اللَّه إلى قومه لهدايتهم ومعالجة بعض الانحرافات الاقتصادية في تجارتهم مع الناس ، التي كانت تتمثل بالتطفيف في المكيال والميزان ، فيأخذون لأنفسهم ما يستحقّونه ، ويعطون الناس أقل مما يستحقون . وننفتح في قصة شعيب وحوارة مع قومه على موقف أكثر قوة من موقف لوط ، فقد كانت لشعيب عشيرة قوية يحسب لها حساب ، وهذا ما جعل أسلوبه - في خطابه لقومه - يتّصف بالقوّة التي لا تبتعد عن الجوّ الرسالي الوديع الذي يحاول - من خلاله - أن يجرّهم إلى دعوته بالأسلوب الهادىء الليّن . ونلاحظ - في هذا الحوار - أنه استطاع أن يجلب إلى دعوته الجماعات المضطهدة والمستضعفة من قومه ، ليواجه الجماعات الغنيّة المستكبرة . وربما يكون هذا منطلقا من طبيعة الدعوة التي دعا إليها ، والمفاهيم التي بشر بها ، فإن التطفيف نوع من أنواع الاستغلال الاقتصادي الذي يتميّز به الأغنياء المستكبرون ، حيث يعيشون مشاعر الأنانية وسلوكها ، ممّا يجعلهم يفكّرون بالاستغلال عندما يشترون فيأخذون الزيادة لأنفسهم ، ويفكّرون به عندما يبيعون ، فيستغلون حاجة الآخرين إليهم لينقصوا من حقّهم بما يشاءون . ونحاول الآن الدخول في أجواء هذا الحوار القصصي القرآني ، لنتمثل حركة الرسالة في حياة هذا النبي المصلح مع خصوم الرسالة والرسول . * * *