السيد محمد حسين فضل الله

147

من وحي القرآن

الإحسان في ما يقول أو يفعل ، لأن الرحمة ليست مجرّد حالة عفوية ، بل هي لطف من اللّه ، يتصل بالأفق الداخلي للإنسان وبالحركة الطيّبة لحياته ، وذلك هو قوله : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الذين أحسنوا بالروح وبالقول والعمل . . . التجارة مع اللّه روحية لا مادية وقد يثير البعض في هذا المجال تساؤلا حول معنى أن تكون علاقتنا باللّه علاقة خوف وطمع ؟ أليس هذا مظهرا من مظاهر العقلية التجارية مع اللّه ، حيث ترتبط به على أساس خوف الخسارة والطمع في الربح ؟ ! أليس من الأقرب إلى خط الإيمان أن تكون العلاقة نابعة من المحبّة الخالصة له ، التي تنطلق من استحقاقه للعبادة ، لأنه أهل لذلك ؟ ونجيب عن ذلك ، بأنّ الخوف والطمع لا يمثلان شعورا تجاريا ، بالمعنى الماديّ للتجارة ، ولكنهما يمثّلان شعورا روحيّا خالصا يعكس الإيمان بأنّ وجود الإنسان مرتبط باللّه في كل شيء ، مما يجعل من الدعاء لونا من ألوان التعبير عن هذه الحالة الروحية التي تؤكد للذات - دائما - بأنّ قضية الإنسان مع اللّه هي قضية الفقر المطلق أمام الغنى المطلق ، في إحساس بالذوبان في ذات اللّه ، في وعي لمعنى العبودية في الذات الإنسانية . وبهذا تفترق التجارة الماديّة بين الإنسان والإنسان في ما يخافه أو يطمع فيه ، عن التجارة الروحية بين الإنسان وربّه ، حيث تتحول القضايا المادية إلى معنى روحيّ ، في مستوى الإيمان الخالص .