السيد محمد حسين فضل الله

137

من وحي القرآن

جوّ اللامبالاة الذي كانوا يواجهون به موقف الرسول والرسالة . قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فكيف انحرفنا عنه ؟ ولكن ماذا نفعل الآن ، وكيف نحصل على الأمن ، وما طريقة الخروج من المأزق الذي أوقعنا أنفسنا فيه ؟ * * * هل من شفعاء للذين نسوا الله في الدنيا ؟ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا كما كنا نفعل في الدنيا إذا أخطأنا وواجهنا حساب المسؤولية ، كنا نلجأ إلى الوسطاء الذين تربطنا بهم قرابة أو صداقة أو مصلحة ، فيشفعون لنا لدى أولي الأمر ، ونتخلص بذلك من النتائج السلبية لأعمالنا . فهل هناك وسطاء وشفعاء في الآخرة ليشفعوا لنا ، أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فيعطينا اللَّه فرصة ثانية للعمل ، من أجل أن نصحّح هذا الخطأ ، ونقوّم هذا الانحراف ، ونغيّر المنهج والبرنامج كله ، لتكون حياتنا وفقا لأمر اللَّه ونهيه ، لنحصل من خلال ذلك على رضاه ، فيدخلنا في رحمته ورضوانه ؟ ! ولكن اللَّه يرفض هذه التمنيات ، لأن الشفعاء لا يملكون ذاتيّة التصرف في هذه الأمور ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء : 28 ] . فكيف يشفعون لهؤلاء الذين كفروا باللَّه وآياته ورسله ؟ أما قصة العودة إلى الدنيا ، فقد عالجها القرآن أكثر من مرّة ، وأكّد أنهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ، لأن مثل هذا التمنّي يخضع لمشاعر اللحظة ، فإذا انفصلوا عنها رجعوا إلى أوضاعهم السابقة . وهذا ما جعل الآية تختم الموقف بالإعلان عن خسارتهم لأنفسهم : قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ لأنهم لم يحصلوا من كل حياتهم على شيء - أيّ شيء - ولم تنفعهم افتراءاتهم شيئا من قريب أو من بعيد .