السيد محمد حسين فضل الله

119

من وحي القرآن

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فنسب إليه ما لم يشرّعه وما لم يقله ، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ وجحد رسالاته وتمرد على رسله . . . فقد ظلم اللَّه ربه حقّه في الإيمان والطاعة ، وظلم الحقيقة حقّها في الوضوح والإذعان . أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ في ما قضاه اللَّه وقدّره لعباده في الأرض من أرزاق ومعايش في ما يأكلون ويشربون ويلبسون ويتلذذون . . . كغيرهم من عباد اللَّه ، لأن اللَّه لا يخص بنعمته عباده المؤمنين ، بل يفيض ما يشاء منها على جميع العباد . وتستمر بهم النعم ، وتمتد بهم الحياة . . . حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا - وهم ملائكة الموت يَتَوَفَّوْنَهُمْ ويقبضون أرواحهم ليواجهوا حساب اللَّه في ما قدموه من أعمال سيئة ، قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من شركاء مما تصنعون من أصنام ، أو تخضعون لهم من بشر . . . قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وابتعدوا وتركونا - وحدنا - نواجه المسؤولية ، في حيرة وضياع وذهول . . . فكيف كنا نكفر باللَّه وبآياته ؟ وكيف سرنا في خط الضلال الذي قادونا إليه ؟ وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ في شعور عميق بالحسرة والتمزق والسقوط . . . * * * مشهد المكذّبين الأوّل إنه المشهد الأول من المشهدين اللذين عالجتهما الآية . إنهم الكافرون في الدنيا ، وقد جاءت رسل اللَّه بمهمة إماتتهم ؛ ولكنهم وجهوا إليهم سؤالا قبل القيام بمهمتهم ، في صيغة هي أقرب إلى التبكيت والتوبيخ منها إلى الاستفهام ؛ أين هؤلاء الذين كنتم تدعونهم من دون اللَّه ، فليأتوا إليكم في هذا الموقف الحرج الذي يتحدّى أصل وجودكم واغتراركم به ليخلصوكم إذا كانوا يملكون بعض قوة الألوهية أو سلطتها ؟ ويحمل الجواب مشاعر الخيبة القاتلة