السيد محمد حسين فضل الله

112

من وحي القرآن

الروحي ، فلا خوف من المستقبل ولا حزن على ما مضى . ونلاحظ على هذا الرأي ، أن تأثير الإيمان باللَّه والثقة به في ابتعاد المؤمن عن أجواء الخوف والحزن في الدنيا يمثل الحقيقة الإيمانية ، وذلك من خلال الإحساس بالحضور الإلهي في حياته بالدرجة التي يتحسس فيها رعايته وحمايته وإشرافه عليه ، كما جاء في قول اللَّه تعالى ، ممّا قصه من حكاية النبي محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ليلة الهجرة : إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [ التوبة : 40 ] فقد كان النبي يعيش السكينة الروحية في قلبه ، وأراد لصاحبه أن لا يشعر بالحزن في الموقف الصعب ، وممّا قصّه اللَّه على المؤمنين : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 173 - 175 ] ، فقد أراد اللَّه للمؤمنين أن لا يخافوا من الشيطان في الدنيا ، لأنه - تعالى - هو الذي يمنحهم الأمن الروحي الذي يشعرون معه بالسكينة النفسية . إننا لا نمانع من هذا التأثير الروحي للإيمان على النفس المؤمنة بما يفيضه اللَّه عليها من ذلك ، ولكن سياق الآية وأمثالها وارد في الحديث عن موقف المؤمن في الآخرة ، بقرينة مقابلتها بالآية الأخرى المتحدثة عن المكذبين بآيات اللَّه والمستكبرين عنها بأن جزاءهم النار ، كما هو الحال في آية البقرة المتقدمة ، مما يوحي بأن الآيتين معا واردتان في سياق الحديث عن جزاء الإيمان والكفر في يوم القيامة ؛ واللَّه العالم .