الغزالي
5
إحياء علوم الدين
الباب الأوّل في وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفضيلته والمذمة في إهماله وإضاعته ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه ، وإشارات العقول السليمة إليه الآيات ، والأخبار ، والآثار أما الآيات : فقوله تعالى * ( ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * « 1 » ففي الآية بيان الإيجاب ، فإن قوله تعالى * ( ولْتَكُنْ ) * أمر وظاهر الأمر الإيجاب ، وفيها بيان أن الفلاح منوط به ، إذ حصر وقال * ( وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * « 2 » وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين ، وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين ، إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف ، بل قال : * ( ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ) * فإذا مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين ، واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين ، وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة ، وقال تعالى * ( لَيْسُوا سَواءً من أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ الله آناءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وأُولئِكَ من الصَّالِحِينَ ) * « 3 » فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان باللَّه واليوم الآخر ، حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال تعالى * ( والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) * « 4 » فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية وقال تعالى : * ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ . كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوه ُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) * « 5 » وهذا غاية التشديد إذ علل استحقاقهم للَّعنة بتركهم النهي عن المنكر ، وقال عز وجل * ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) * « 6 » وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف
--> « 1 » آل عمران : 104 « 2 » آل عمران : 104 « 3 » آل عمران : 113 ، 114 « 4 » التوبة : 71 « 5 » المائدة : 78 ، 79 « 6 » آل عمران : 110