السيد محمد حسين فضل الله
85
من وحي القرآن
وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ فليكن ذلك هو الهدى الذي تستهدي به في خطواتك الجديدة المتحركة أبدا نحو التغيير في كل شيء ، فإن اللَّه قد أراد لكل رسول أن لا يبدأ من حيث يبدأ الآخرون ، بل أن يواصل المسيرة من حيث ينتهي الآخرون في مسيرتهم ، مما يجعل من الساحة ساحة تجارب تغييرية حقيقية . . وماذا بعد ذلك ؟ إن الواقع لا يسمح إلا بالصبر والتقدم من مواقع الصبر ، فذلك هو المنطلق الوحيد للانطلاق ، لأن ذلك هو طبيعة الأسلوب الواقعي في الوصول إلى النتائج الحاسمة ، فإذا لم يقتنع العاملون ، أو لم يصبر الرسل والدعاة ، فلينسحبوا من الساحة ، أو ليقوموا بحركات واستعراضات تشنجيّة ، أو ليدخلوا في تجارب غير معقولة ، ليحققوا للمتمردين الجاحدين طلباتهم التعجيزيّة . وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك ، فلم تقدّر الظروف الموضوعية المحيطة بك من خلال الأشخاص والأوضاع ، ولم تحاول أن تصبر على ذلك في انتظار نضوج التجربة ، وانطلاقة المستقبل في خطّ الدعوة ، وعشت الشعور بالسقوط الداخلي تحت تأثير حالة المرارة واليأس ، أمام ما يقترحون من طلبات ، ويطالبون به من معجزات ، مما لم يرد اللَّه أن يخضع مسيرة الدعوة له ، أو يشغل حركة الأنبياء به ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ تلتقطها من أعماق الأرض ، أو تتلقفها من آفاق السماء ، بعد أن فقدت القدرة على الإتيان بها من سطح الأرض . . فافعل ، ولكنك لن تجد شيئا هناك لو استطعت بلوغ ذلك لأن اللَّه لم يشأ للناس أن يؤمنوا به ، إلا من حيث أراد وقدّر ، في ما أوحى به إلى الأنبياء ، وفي ما أنزله من معجزات ، بعيدا عن اقتراحات المقترحين وعن طلبات المعجّزين .