السيد محمد حسين فضل الله
70
من وحي القرآن
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ هؤلاء الذين كذبوا الرسول وأنكروا الرسالة ، وكانوا ينهون أو ينأون عنه ، ليأخذوا حريتهم في فعل ما يطيب لهم ، إنك لن تجد أيَّ جهد في العثور عليهم ، فهم بارزون أمام كل ناظر ، فيمكن لكل من يملك عينين مفتوحتين أن يراهم حين يوقفون على النار ليدخلوها ، جزاء أعمالهم في الدنيا . وهنا تبرز صورتهم من الخارج ومن الداخل ، فها هم يواجهون الموقف الصعب بالتراجع عن كل مواقفهم السابقة ، من تكذيب الرسل ، وإنكار الإيمان ، وقد أراد اللَّه إظهار ذلك ، فترك لهم حريّة الكلمة الأخيرة المعبّرة عن حالة السقوط النفسي المهين بإطلاق التمنيات اليائسة الذليلة ، بأن يردّوا إلى الدنيا ، ليرفضوا عندها تكذيب آيات ربّهم ، ويلتزموا خط الإيمان . . فقد اتضح الأمر لديهم وبان ، ولم يبق لديهم أيّة شبهة حول الإيمان ونتائجه ، وهكذا كان . فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ولكن هل هذا الموقف ناتج عن قناعة مرتكزة على أساس ثابت بعيدا عن الأجواء الطارئة الضاغطة على المشاعر ، أم أنّ الموقف هو موقف الصدمة المفاجئة التي تهزّ المشاعر ، حتى إذا أفاق الإنسان منها رجع إلى مواقعه السابقة كما لو لم يكن حصل أيّ شيء في حركة الموقف ، وفي مستوى المسؤولية ؟ ! قد لا تستطيع الحالة السريعة أن تعطينا فكرة عن هذا أو ذاك ، ولكن ما يكمن في خلفية الشخصية وعمقها وامتدادها يمكن أن يكشف عن الحقيقة الكامنة في الداخل ، فنكتشف - من خلالها - أنّ هؤلاء لا يعيشون الجدية في مواجهة المسؤولية ، بل يقابلونها باللّامبالاة الوجدانيّة ، ولذلك جمّدوا فكرهم أمام كل مواقع الإثارة الفكرية والعملية ، فلم يتوقفوا عند علامات الاستفهام العريضة التي كانت تخاطب فكرهم عندما كانوا في الدنيا ، بالرغم من كل المؤثرات والدلائل التي كانت تفرض التوقف عندها ، بل كل ما فعلوه أنهم خضعوا للأجواء المثيرة المنفعلة بالجوّ الطارئ فيما يوحيه ويثيره ، حتى إذا ابتعد عنهم - من