السيد محمد حسين فضل الله

64

من وحي القرآن

النبي محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وحمايته ، فهل نتصور أنه يجاملهم في مسألة الإيمان بدينه الذي اقتنع بأنه « من خير أديان البرية دينا » ؟ ! صورة من صور الكافرين في مواجهتهم لقضايا الإيمان وهذه صورة حيّة من صور أولئك الناس الذين خسروا أنفسهم عندما تركوا الجدّية في مواجهة مسئوليتهم حيال قضايا الإيمان ودعوات الحق ، فهم قد يقفون وقفة المستمع لكلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ في ما يتلوه من آيات اللَّه ، وما يدعو إليه من شريعته ، ولكن دون أن يحملوا روحية من يريد الوصول إلى القناعة اليقينية من خلال ما يسمعه فيفكر ويحاور ، لأنهم قرّروا مسبقا السير في خط التمرّد والتحرك من موقع السلبيّة الحاقدة ، بشعارات جاهزة يواجهون بها الموقف لإثارة الضجيج والضوضاء بلا معنى . ومن هنا ، كانت قلوبهم مغلقة عن فهم ما يسمعون ، ووعي ما يدور حولهم من قضايا وأحداث ، وكانت أسماعهم صمّاء عن ذلك كله . . فقد ربط اللَّه بين وعي الأذن والقلب لما يسمعه الإنسان ، وبين إرادته لذلك ، لأن قضية السمع ليست قضية صدى يدوي ، وصوت يرنّ . . وقضية الفكر ليست قضية معلومات تلقى ، ولكنها قضية الإرادة الإنسانية التي تملأ هذا وتثير ذاك ، في حركة المسؤولية في الذات المفكرة والسامعة من أجل الوصول إلى النتائج الحاسمة في الفكر والحياة والمصير . . وبذلك صحّت نسبة الفعل إلى اللَّه في قوله : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ويراد بالجعل هنا - وفي غيره من الموارد - الجعل التكويني في ربط المسببّات بأسبابها مع كون السبب بيد الإنسان . وهكذا جاءت الفقرات الباقية لتوضح الصورة جيدا . . وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها لأنهم لا يعيشون مسؤولية الإيمان ، ولهذا فهم لا يلتفتون إلى ما في هذه الآية أو تلك من العناصر التي تثبت حقيقة