السيد محمد حسين فضل الله
29
من وحي القرآن
التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء . لماذا يثير القرآن فكرة الموت باستمرار ؟ قد يتساءل قارئ القرآن عن السبب الكامن وراء إثارة القرآن لفكرة الموت بشكل دائم . . . لماذا يلحّ دائما على أن يجعل الإنسان مهزوما أمام فكرة الموت ؟ هل يريد له أن يعيش تحت تأثير هذا الهاجس ، كالشبح المرعب ، الذي يوحي له بالخوف والهلع المستمر ، مما قد يفقده التركيز على مشاريع الحياة التي تحتاج إلى الشعور بالامتداد في خط العمل من أجل التخطيط المستمر لإكمال المسيرة ؟ وفي ضوء هذا التساؤل ، يحاول البعض من الناس ، اتهام الوعظ الديني الذي يعمل على تعميق إحساس الإنسان بالموت في كل لحظة ، بأنه يمنع الإنسان من الشعور بالقوة ، لأنه يجمّد قوّة الحياة في داخل وعيه وتفكيره من خلال الإيحاء بأن من الممكن أن تنتهي الحياة في أيّ وقت . . فيتضاءل الإنسان ويضعف ويسترخي في تهاويل الحزن انتظارا للموت . . وبهذا يتحول الناس إلى جماعات متناثرة تنتظر الموت بدلا من أن تنطلق وحدة قويّة في بناء الحياة ! والجواب عن ذلك : إن لهذا الأسلوب هدفا تربويا يسعى إليه ، وذلك لأن الشعور بالقوّة المطلقة له أثران : إيجابي وسلبي . أما الأثر الإيجابي ، فهو حرية الحركة وحيويتها في جميع الأشياء التي يفكر بها ، أو يطلبها منه الآخرون ؛ وأمّا الأثر السلبي فهو الشعور بالغرور الذي يجعله يتحرك في إحساس بضخامة الشخصية بشكل غير معقول ، فيؤدي به ذلك إلى التكبّر والتجبّر والدخول في متاهات من الأعمال التي لا يملك زمام القدرة فيها . . وهذا ما أراد الإسلام أن يخفّف منه ، وذلك من ضمن خطة تتحرك في عدّة أساليب ، منها : الإيحاء الدائم بمواطن الضعف البشري في ما يصيب الإنسان