السيد محمد حسين فضل الله

12

من وحي القرآن

أجيالهم المتتابعة تتساقط أمام الموت الذي يملكه اللَّه وحده كما يملك الحياة ، فلا يملكون له دفعا عنهم . . فإذا تحدثوا عن النبوة في تصوراتهم فإنهم ينطلقون من تصورات لا حساب لها في الفكر فهم يريدون لها أن تتمثل في مخلوقات خارج نطاق الطبيعة الإنسانية في عالم الغيب ، من دون وعي أن الغيب والشهود في خلق اللَّه يتساويان أمام اللَّه الذي يعطي القدرة والدور لمن شاء من دون أن يكون للمخلوق ، ملكا أو بشرا ، يد في ذلك من ناحية الإمكانات الذاتية ، لأن ذاتيتهم هي من اللَّه . وهكذا كانوا يسخرون ، فكانت عاقبة سخريتهم مزيدا من العواقب السيئة التي تلتقي نتائجها بمقدماتها في سلوكهم المنحرف . وتتنوع السورة في جولة فكرية توحيدية في سعة ملك اللَّه في الكون السماوي والأرضي وما في داخله من قوى وظواهر ومخلوقات حيّة ونامية وجامدة ، وفي تدبيره بالرزق ، فهو الرازق الذي لا رازق غيره والولي الذي لا ولي غيره الذي يملك ولاية الدنيا والآخرة فله الأمر في ذلك كله ، حياة وثوابا وعقابا من خلال القدرة كلها . وهكذا يتجسّد الحدّ الفاصل بين الرسول الداعية في كل مواقع الدعوة ، والمشركين في حركة التكذيب والتحدّي . وتطوف السورة بالتاريخ الرسالي في معرفة أهل الكتاب بكل ملامح هذا الدين الجديد في كتابه الذي تحدّث عنه كتابهم ، ورسوله الذي بشر به موسى وعيسى عليه السّلام ، ولكن المشركين ليسوا من الناس الذين يبحثون عن الحقيقة في مصادر المعرفة وفي تأملاتهم الفكرية والروحية ، لأنهم ليسوا في الاتجاه الذي يفتح أبواب الاقتناع بالرأي الآخر ، فقد أغلقوا أسماعهم عن السماع ، وعقولهم عن التفكير . ويستمرّون في تعسفهم العملي في مواقفهم من الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وفي