السيد محمد حسين فضل الله
70
من وحي القرآن
خلال ما يوحيه من فكر ويتحرك به من أعمال ، ومن حيث هو ميثاق بين اللّه وعباده ، لأنّ الإيمان موقفٌ يلتزم به في مقابل ما يأمله من ربّه من خلال وعده له بالرضوان والمغفرة والنعيم . . ولكن ماذا عن هذا الميثاق الّذي واثقهم اللّه به ، وقالوا سمعنا وأطعنا استجابة له ؟ فقد جاء في مورد الإجابة عن ذلك ، أقوال : أحدها أن معناه ما أخذ عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلّم عند إسلامهم وبيعتهم بأن يطيعوا اللّه في كلّ ما يفرضه عليهم مما ساءهم أو سرّهم . . . وثانيها . . . ما بيّن لهم في حجة الوداع من تحريم المحرمات ، وكيفية الطهارة ، وفرض الولاية ، وغير ذلك . . . وثالثها . . . أن المراد به متابعتهم للنبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم يوم بيعة العقبة وبيعة الرضوان . . . ورابعها أن معناه ما أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا بلى . . وهذا أضعف الأقوال ، كما يقول صاحب مجمع البيان « 1 » . أو ربّما أريد به العهد المعقود بين اللّه والإنسان في تكوين فطرته المنفتحة على حقيقة التوحيد ومعنى الرسالة وسرّ العبوديّة مما يتوجه إليه الإنسان بفطرته التّي تختزن العقل والإدراك والإحساس ، وتقوده من خلالها إلى تحريكها من أجل المعرفة في التزاماتها العقليّة ومسئولياتها العمليّة الّتي تكاد تنطق بلسان القابليّة الإنسانيّة الواعية ، لتعبّر عن خضوعها للسر الإلهي المودع فيها بما ينسجم مع السمع والطاعة المتمثّل بقوله : سَمِعْنا وَأَطَعْنا . وهذا أسلوب قرآنيّ في استنطاق الواقع الوجودي في إيحاءاته المعبّرة سواء في المخلوقات الحيّة كالإنسان ، أو الجامدة كالسماء والأرض والجبال ونحوها مما تحدث القرآن عنه بأسلوب حواريّ بينها وبين اللّه ، باعتبار الحقيقة الكامنة في وجودها من حيث انفعالها بما أودعه اللّه فيها من الخصائص . وقد يكون هذا هو المقصود بالميثاق الإلهي في أصل الخلقة بالمعنى
--> ( 1 ) م . س . ، ص : 106 .