السيد محمد حسين فضل الله

24

من وحي القرآن

بل باعتبار المعاني الّتي ترمز إليها والأعمال الّتي تؤدى فيها ، وبذلك يكون النهي عن استحلالها ، نهيا عن تجاوز الحدود والفرائض الّتي أوجبها اللَّه فيها مما يدخل في طاعته والانقياد له . وأمّا النهي عن استحلال الشهر الحرام ، الّذي جعله اللَّه عنوانا للشهور الأربعة : رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم ، فلكي يكون للنّاس في حياتهم زمن سلام يسترحون فيه إلى أمنه وطمأنينته ، ويعلمون فيه على الدعوة إلى تقوية أواصر السلام والمحبة فيما بينهم من خلال ما يعيشون فيه من أجواء الخير والسعادة . . . ولذلك أراد منهم ترك القتال فيه ، مهما كانت الدوافع والأوضاع ، إلَّا في الحالات الصعبة الّتي لا مجال فيها إلَّا للمواجهة القتالية الّتي تمثل خط الدفاع عن القضايا . أمّا الهدي ، فقد أراد اللَّه للنّاس احترامه وعدم التعرض له بسلب ، أو باعتراض طريقه ومنع وصوله إلى محله ، وكذلك الأمر بالنسبة للقلائد . وفي ختام ذلك نهى عن الاعتداء على الَّذين يؤمون البيت الحرام ويقصدونه ابتغاء رزق اللَّه عن طريق التجارة ، أو الحصول على رضى اللَّه وفق أساليبهم العباديّة الخاصة للَّه وإن كانت غير خالصة له . وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا لأنَّ التحريم كان بسبب حالة الإحرام ، فجاز للإنسان بعد زوالها العودة إلى حالة الحل الّتي يمارس فيها حريته في كل ما أحلّه اللَّه له في الأصل من صيد أو غيره . وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أي لا يحملنكم شَنَآنُ قَوْمٍ أي بغض قوم أَنْ صَدُّوكُمْ منعوكم عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، فلم يمكنوكم من الدخول إليه أو البقاء فيه ، أَنْ تَعْتَدُوا بأن تبادلوهم المثل في وقت سلطتكم عليهم ، لأنَّ اللَّه لا يريد لكم أن تكونوا معتدين مثلهم على حرية النّاس في الدخول إليه في حال كان منهم ذلك ، إذ إنَّ المعاملة بالمثل تمثل اعتداء على المعتدي ، وذلك لو كان الموضوع واردا في النطاق الشخصي ، أمّا إذا كان الموضوع قضية تتعلقّ بالخط التشريعي الَّذي لا يملك فيه الإنسان أمر الرد من خلالها ، فيكون ردّه اعتداء صارخا على حدود اللَّه من