السيد محمد حسين فضل الله

69

من وحي القرآن

الإيمانية التي توجه الإنسان إلى اعتبار هذه العلاقة مسؤولية شرعية قانونية ، هدفها الحصول على رضا اللَّه ؛ لئلا يخيّل للرجل أن موقعه داخل هذه العلاقة يبرّر له التصرف دون تحمل المسؤولية ، ليرجع إلى الإحساس بإنسانية العلاقة التي تجعل لأيّ من الطرفين حقا لا يملك الآخر أن يعتدي عليه ، سواء كان الحق مالا أو غيره ، فإذا تنازل عنه بطيب نفسه ، كان للآخر أن يتصرف فيه بما يشاء . وقد عالجت هذه الآية موضوع المهر ، فأعطته الصفة التي لا ترهق إنسانية الإنسان في المرآة ، فلم تعتبرها ثمنا وعوضا - كما يخيل للبعض أن يراه كذلك - بل اعتبرته نحلة ، وهي العطية التي يمنحها الإنسان للآخر من دون مقابل ، لتكون رمزا للمحبة والمودة ؛ ولهذا لم يجعل له الإسلام الدور الكبير في التقييم ، خلافا للتقاليد الاجتماعية البالية التي تحاول أن تجعل كمية المهر مقياسا لقيمة المرأة ، تبعا لما تتصف به من مركز اجتماعيّ ، ولم يحاول التدخل في ذلك ، بل ترك أمر الإنفاق عليه للزوجين بالاستناد إلى أوضاعهما المالية والاجتماعية والعاطفية . فيمكن أن يكون المهر قنطارا ، كما عبرت بعض الآيات ، ويمكن أن يكون سورة من القرآن ، كما فعل الرسول صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في تزويجه لبعض أصحابه الفقراء « 1 » ؛ ولكنه لم يترك القضية على إطلاقها ، بل تدخّل في المسألة ليثير فيها الجانب الأخلاقي الذي يجد في كثرة المهر عملا لا يتناسب مع كرامة المرأة ، وذلك كما ورد به الحديث

--> ( 1 ) جاء في وسائل الشيعة : جاءت امرأة إلى النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم فقالت : زوّجني ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه واله وسلّم : من لهذه ؟ فقام رجل فقال : أنا يا رسول اللَّه ، زوّجنيها . فقال : ما تعطيها ؟ فقال : ما لي شيء ؟ قال : لا . فأعادت ، فأعاد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم الكلام ، فلم يقم أحد غير الرّجل ، ثم أعادت ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في المرة الثالثة : أتحسن من القرآن شيئا ؟ قال : نعم ، قال : قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن ، فعلّمها إيّاه . الحر العاملي ، محمد بن الحسن ، وسائل الشيعة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت - لبنان ، م : 15 ، باب : 2 ، ص : 3 - 4 ، رواية : 1 .