السيد محمد حسين فضل الله
60
من وحي القرآن
من ظروفه ، ويدفعه إلى مواجهة الواقع بإيجابيات الشريعة ، بعيدا عن سلبيات الانحراف . وقد يكون من الضروري مواجهة التقييم الفكري والعملي للعلاقات من منطق الأحكام الشرعية ، فنحترم الممارسات التي تقوم على هذا الأساس ، وتنسجم مع أخلاقيات الشريعة ، مهما كانت بعيدة عن التقاليد الاجتماعية المستمدة من قواعد فكرية غير إسلامية ، كما نلاحظ في بعض ملامح الواقع الذي نعايشه في العصر الحاضر ، تأثّرا بالقيم المسيحية المثالية التي تؤكد على الرهبنة والبعد عن الغرائز كقيمة روحية أساسية ، فتعتبر الإنسان الذي يخنق غريزته إنسانا قدسيا ، بينما ترى في الإنسان الذي يستجيب لغرائزه بشكل طبيعي إنسانا لا يرقى إلى مستوى القيمة . وعلى هذا الأساس تعتبر موضوع التعدد في العلاقات الجنسية حالة شهوانية لا تليق بالإنسان المؤمن الذي يريد أن يعيش القيم الروحية في حياته ، من خلال ما تمثله قيم الزهد والترفّع عن الشهوات والتنكر للحياة المادية وما شابه ذلك من مفاهيم . ولكن الإسلام لا يستجيب لهذا المنطق ، ولا يتبنّى هذه المفاهيم ، فقد اعتبر الغرائز التي أودعها اللَّه في كيان الإنسان أمورا طبيعية لا بد للإنسان من ممارستها بطريقة متوازنة ؛ فلكل غريزة جوع وظمأ ، وللإنسان إشباع جوعه ، وإطفاء حرارة ظمئه ، تماما كما هي الحاجات الطبيعية الجسدية . فلا يكون العمل على أساس ذلك ضد القيمة ، ولا تكون الشهوانية المعتدلة شيئا سيئا في حياته ، ولا يعتبرها الإسلام شيئا منافيا للروحانية ، لأن روحانية الإسلام لا تتمثل في ابتعاد الإنسان عن حاجات الجسد ، بل في عدم الارتفاع بها إلى مستوى القيمة الأساسية في الحياة ، وفي الوقوف أمامها بإرادة حرة قادرة أن تقول لا ، وأن تقول نعم ، من دون الخضوع للضغوط الدافعة إلى الانحراف ؛ فلا تستعبدها الحاجات ، إذا وقفت الحياة لتخيّر الإنسان بين السير مع مبادئه