السيد محمد حسين فضل الله
8
من وحي القرآن
أجواء مغمورة باللطف الإلهي . . . وتبقى مريم في أجواء روحيّة مغمورة باللطف الإلهي ، فقد أراد اللّه لها أن تعيش في حياتها السرّ الكبير الذي تتجلى فيه قدرة اللّه بأسلوب جديد لم يألفه البشر ، ولا بدّ لهذه الإنسانة التي اختارها اللّه من بين الناس ، من أن تعدّ نفسها لذلك إعدادا روحيّا مميّزا يوحي بالطهر والقداسة والاطمئنان ، وذلك في نطاق المشاعر العميقة برعاية اللّه لها وعنايته بها وحمايته لها من كل سوء ؛ فكان لها ذلك الجو الذي عاشته في حضانة زكريا وكفالته . . وامتدّ في حياتها بما أنزل اللّه لها من رزق يوحي بالكرامة في أجواء الغيب الذي ترفرف فيه الملائكة من خلال ما تحس به هذه الإنسانة الطاهرة ، مما قد يبعث في داخلها الدهشة والطمأنينة معا . . وبدأت الملائكة تحدثها ، في اللحظات التي أريد لها أن تقترب من موعد السر الكبير ، لتشعر بالحماية الإلهية قبل أن تدهمها المفاجأة التي تدخلها في التجربة الصعبة . . وأخبرتها الملائكة بأن اللّه اختارها لكرامته وجعلها طاهرة من الدنس ، ليتعمّق في إحساسها الشعور بالطهر فلا يداخلها أيّ وهم طارئ بسبب ما ينتظرها من موقف غير مألوف ، لأن ذلك هو معنى عملية الاصطفاء من خلال ما توحي به من التميّز والتقدّم . . . وربما كان في تكرار كلمة « الاصطفاء » تأكيد للفكرة وإيحاء بأنّ ما يحدث لها لم يحدث ولن يحدث لغيرها من نساء العالمين . . . فهنّ لا يحملن إلّا بالوسائل الطبيعية للحمل ، أمّا هي فستحمل بوسيلة جديدة من وسائل القدرة الإلهيّة لولادة الإنسان ، الذي سيكون مميّزا ومعجزة في طريقة خلقه ونموّه العقلي والروحي . وربما أثار هذا النداء في نفسها شعورا بالحيرة أمام هذا السّر الخطير الذي يلفّه الغموض والإبهام ، فهي تعرف أنه سرّ عظيم ، ولكنها تجهل كنهه ، وتريد أن تعي ماذا يجب عليها أن تفعله من فروض الشكر له على هذه الكرامة الخفيّة ؟ . . . وحدّثتها الملائكة أن عليها أن تبقى في أجواء عبادة اللّه لتبقى في