السيد محمد حسين فضل الله

65

من وحي القرآن

فقد قدم هؤلاء إلى مركز الإسلام القويّ ، من أجل أن يناقشوا الدين الجديد ، فأعطاهم النبي كل الحرية في ذلك ، إلى مستوى السماح لهم بأداء طقوسهم وعباداتهم في مسجد النبي تحت سمعه وبصره في مجتمع المسلمين الكبير ، حتى أن النبي لم يستجب لتساؤلهم وإنكارهم لذلك ، بل طلب منهم أن يتركوا لهم الحرية في ذلك ، ليشعرهم - على الطبيعة - كيف يحافظ الإسلام على مشاعر الآخرين وحرياتهم في الإطار العام للنظام الكامل ، وليعطيهم انطباعا ذاتيا ، أنه لا يؤمن بالقوة كسبيل من سبل إدخال الآخرين في الإسلام من دون اقتناع منهم بذلك . . . وهكذا كان ، وبدأ النبي حوارة معهم من موقع الدليل والحجة والبرهان ، كما تنقله لنا القصة . . . سؤالا وجوابا في حوار هادئ قويّ ، يستجيب للسؤال في البداية ، ثم يطرح السؤال عليهم من جديد ليلزمهم بالحجة من خلال ذلك . وقد نفهم من الآية الكريمة ، أن الحوار لم يقتصر على هذا الجانب فحسب ، بل تعداه إلى جميع الجهات التي يختلف فيها المسلمون والمسيحيون في نظرتهم إلى عيسى عليه السّلام ، وإلى الطبيعة الاعتقادية ، لأن الآية تتناول المحاجة فيه بكل ما جاءه من العلم . ويظهر من الآية ومن جوّ القصة أن هؤلاء لم يريدوا الاقتناع ، بل دخلوا في جدل عقيم لا يحقّق أيّ هدف ، ولا يصل إلى أية نتيجة ؛ مما دعا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى طرح المباهلة عليهم ، كأسلوب من أساليب التأثير النفسي الذي يشعرهم بالثقة المطلقة بالعقيدة الإسلامية وبمفاهيم الدعوة الجديدة . . . حتى أن النبي كان مستعدا لأن يعرّض نفسه للموقف الصعب عندما يقف مع أهل بيته ليواجهوا الآخرين بالوقوف بين يدي اللّه في ما تنازعوا فيه ، فيطلبون منه - سبحانه - أن يجعل اللعنة على الكافرين . وقد أراد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن يزيد الموقف تأثيرا في الإيحاء النفسي لدى الآخرين بالثقة ، فلم يقتصر على تقديم نفسه للمباهلة والملاعنة ، بل طرح القضية على أساس اشتراك أهل بيته معه في ذلك ، مع أن بإمكانه أن يحصر الأمر بنفسه ، دون أن يترك ذلك أيّ تأثير سلبيّ في الموقف .