السيد محمد حسين فضل الله
51
من وحي القرآن
معنى الفوقية هنا هو الفوقية في الحجة والبرهان ، لأن حجة عيسى عليه السّلام وأتباعه في نبوّته وصحة دعوته ظاهرة بيّنة كلما تقدم الزمن وخفّت الضغوط ، بينما كانت حجة الكافرين الذين خالفوه وعاندوه غير مستندة إلى أساس ، فهي لا تزداد على مرور الأيام إلا انحسارا وضعفا . . . ولكن هذا الوجه مما لا تساعد عليه الآية لا بلفظها ولا معناها - كما يقول صاحب تفسير الميزان - « فإن ظاهر قوله : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ أنه إخبار عن المستقبل ، وأن التوفّي والرفع والتطهير والجعل سيتحقق في المستقبل ، على أنّ قوله : وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ وعد حسن وبشرى ، وما هذا شأنه لا يكون إلا في ما سيأتي ، ومن المعلوم أن ليست حجة متّبعي عيسى عليه السّلام إلا حجة عيسى عليه السّلام نفسه ، وهي التي ذكرها اللّه تعالى ضمن آيات البشارة ، أعني بشارة مريم ، وهذه الحجج قائمة حين حضور عيسى قبل الرفع وبعد رفع عيسى ، بل كانت قبل رفعه عليه السّلام أقطع لعذر الكفار ومنبت خصومتهم ، وأوضح في رفع شبههم ، فما معنى وعده عليه السّلام أنه ستفوق حجة متبعيه على حجة مخالفيه ؟ ثم ما معنى تقييد هذه الغلبة والتفوق بقوله : إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، مع أن الحجة في غلبتها لا تقبل التقييد بوقت ولا يوم . . . » « 1 » . ويرى صاحب الميزان ، أن المراد بالذين اتبعوه هم النّصارى ، وبالذين كفروا اليهود ، فإنه يكفي إطلاق هذه الصّفة على المتأخرين منهم ، وإن خالفوه في بعض تفاصيل رسالته . إنهم يعتبرون امتدادا للذين اتبعوه حقيقة في عصره وبعد عصره ، في مقابل اليهود الذين كفروا به في حياته قبل رفعه وبعد رفعه على امتداد الزمن . وبذلك تكون الآية في مقام « بيان نزول السخط الإلهي على اليهود وحلول المكر بهم وتشديد العذاب على أمتهم . . . » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 241 . ( 2 ) ( م . ن ) ، ج : 3 ، ص : 242 .