السيد محمد حسين فضل الله

49

من وحي القرآن

القادر على أن يرفع الإنسان بروحه قادر أن يرفعه بجسده ، واللّه الذي يريد للإنسان أن ينهي حياته في الأرض بالموت هو الذي يريد له أن ينهيها بغير ذلك . وهذا ما نريد أن نجمله من التفصيل الذي خاضه المفسرون في قوله تعالى : وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فإن الفكرة - كل الفكرة - هي أن اللّه قد دبّر بحكمته وبخطّته الخفية خلاص عيسى عليه السّلام من اضطهاد اليهود ومن محاولتهم قتله . أما ماذا فعل ، وما الخطة ؟ فذلك مما اختص اللّه بعلمه ، فلنرجع الأمر فيه للّه ، في ما يريد أن يعرفنا إياه ، وما لا يريد أن يعرفنا سرّه . . . ولكن هنا ملاحظة تفسيرية ذكرها العلامة الطباطبائي ( قدس سره ) في تفسير الميزان حول كلمة وَرافِعُكَ إِلَيَّ حيث قال : « إن المراد بالرفع الرفع المعنوي دون الرفع الصوري ، إذ لامكان له تعالى من سنخ الأمكنة الجسمانية التي تتعاورها الأجسام والجسمانيات بالحلول فيها ، والقرب والبعد منها ، فهو من قبيل قوله تعالى في ذيل الآية : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ، وخاصة لو كان المراد بالتوفي هو القبض لظهور أن المراد حينئذ هو رفع الدرجة والقرب من اللّه سبحانه ، نظير ما ذكره تعالى في حق المقتولين في سبيله : أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ آل عمران : 169 ] وما ذكره في حق إدريس عليه السّلام : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [ مريم : 57 ] . وربما يقال : إن المراد برفعه إليه رفعه بروحه وجسده حيّا إلى السماء ، على ما يشعر به ظاهر القرآن الشريف ، أن السماء أي : الجسمانية هي مقام القرب من اللّه سبحانه » « 1 » . وإننا نرجح الوجه الثاني ، من خلال ظاهر الآية ، لأن التعبير بالرفع إليه يوحي - من الناحية التعبيرية - بالجانب المكاني الذي يختص به ويمثل موقع العلوّ لديه الذي يتناسب مع علوّ مقامه وسموّ شأنه ، حتى أن كلمة : أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ توحي بذلك من خلال الذهنية الإيمانية التي تختزن في داخلها معنى

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 240 .