السيد محمد حسين فضل الله

34

من وحي القرآن

فيطردهم عنه ويعصمه من وساوسهم وتخاليطهم ، حتى يبلغ ما أوحي به إليه ؛ فليست الآية في مقام الحديث عن علم الرسول للغيب بل عن حمايته بطريق الغيب ، فكأنه بداية كلام جديد في الحديث عن مهمة الرسل في إبلاغهم رسالات ربهم واطلاعه عليهم وحمايته لهم ، وذلك على أسلوب الاستثناء المنقطع ، لأن مثل هذا الاستثناء - على حسب ما يرى هؤلاء - يتنافى مع الأسلوب القرآني الذي يؤكد نفي علم الأنبياء بالغيب ، الذي لم يكن واردا على سبيل نفي الاستقلال - كما ذكر - بل على نفي الفعلية بحسب الواقع الفعلي الذي يعيشه في حياته وفي مهمته الرسالية . وخلاصة الفكرة أن هناك فرقا بين علم الغيب كملكة تدخل في نطاق التكوين الذاتي للنبي - في خصوصية نبوّته - وهذا ما ينفيه الظاهر القرآني ، سواء ذاك المتصل بأخبار الماضين ، والذي يمكن إدراجه تحت عنوان علم الغيب ، حيث ثمة إشارة واضحة في القرآن الكريم أن أنباءه هي من وحي اللّه تعالى ، أو ذاك المتصل ببعض موارد الحاجة إليه في موارد معينة ، فيلهمه اللّه تعالى إياه إلهاما ، فهذا ما لا ينفيه النص القرآني ، بل قد تؤكده بعض الآيات . وقد وردت أحاديث متنوعة في علم الأنبياء والأئمة بالغيب ، وهي موضع جدل علميّ ، وربما نتعرض لها في ما يأتي في حديث الغيب في آيات القرآن . ومن خلال هذا الحديث الطويل نستطيع أن نخرج بالفكرة التي تنفي الولاية التكوينية بمعناها التكويني الذي منحه اللّه للأنبياء وللأئمة ، لأن الدليل لم يدل عليه - حسب فهمنا القاصر - ولكن يبقى - في المسألة - أن اللّه يمنح الأنبياء الفرصة التي يواجهون فيها تحديات الكفر بالمعجزات عند الحاجة إليها ؛ واللّه العالم .