السيد محمد حسين فضل الله
23
من وحي القرآن
ولنا هنا ملاحظات : رسول لبني إسرائيل أم للبشر ؟ هل كان عيسى عليه السّلام رسولا لبني إسرائيل دون غيرهم ؟ ربما توحي فقرة : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ بالخصوصية ، وربما ينافي ذلك ما هو المشهور من أن عيسى عليه السّلام من أنبياء أولي العزم الذين يتميزون بأن رسالتهم تمثل دينا جديدا ينتهي إليه الدين الذي جاء قبله ، مما يعني بالصفة العالمية لهم ، لأن الدين الجديد لا يأتي لجماعة خاصة من الناس . وربما يجاب بأن هناك فرقا بين الرسول والنبي ، فإن « النبوّة هي منصب البعث والتبليغ ، والرسالة هي السفارة الخاصة التي تستتبع الحكم والقضاء بالحق بين الناس ، إمّا بالبقاء والنعمة ، أو بالهلاك كما يفيده قوله تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [ يونس : 47 ] . وبعبارة أخرى ، النبي هو الإنسان المبعوث لبيان الدين للناس ، والرسول هو المبعوث لأداء بيان خاص يستتبع ردّه الهلاك وقبوله البقاء والسعادة » « 1 » . وخلاصة الفكرة أن لعيسى عليه السّلام صفتين ، النبوة العامة من حيث هو صاحب دين ، والرسالة من حيث هو حاكم وقاض بين الناس . وربما كان المراد من كونه رسولا إلى بني إسرائيل ، أنهم الجماعة الذين يواجههم بالرسالة في حركته الأولى ، باعتبار أن لكل دين منطلقا من الموقع والأشخاص الذين تبدأ الرسالة من ساحتهم ، وتتحرك في قضاياهم ، لترتكز على قاعدة متينة ثابتة يجمع فيها النبي المؤمنين به ، ويلتقي بحواريّيه ويثقف الدعاة إلى دينه والمجاهدين في سبيله ، ليكون دوره فيهم دور التجربة الأولى التي يبدأ بها خط تجاربه الأخرى في المستقبل . وفي ضوء ذلك لا يكون الحديث عن رسالته إلى بني إسرائيل
--> ( 1 ) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت - لبنان ، ط : 1 ، 1411 ه - 1991 م ، ج : 3 ، ص : 229 .