السيد محمد حسين فضل الله
18
من وحي القرآن
وتقف العذراء عليها السلام للتساؤل ، بعد أن عاشت غيبوبة روحيّة لذيذة خاشعة مع هذه البشارة الكبيرة ومعناها . وكيف يكون لها ولد ؛ وهي بعد لما تتزوّج ولم يمسها بشر لتتحقق من خلال ذلك الوسيلة الطبيعية لولادة هذا المولود العجيب ؟ قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ في مناجاة تشبه الاستغاثة وتتوسّل في جلاء غموض هذا السرّ . ويأتيها الجواب من اللّه : كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ فليست هناك حدود للوسائل التي تحقق الوجود ، لأن مشيئته هي كل شيء في الخلق ، فإذا أراد الشيء وجد ، فليس هناك إلا مشيئته فهي سرّ الوجود وسرّ الحياة إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وترجع إلى إيمانها في هدوء واستسلام ، ولكنها تظل في جوّ الأسرار الذي يحيط بها من كل جانب ، فهي تؤمن أن القضية كل القضية هي مشيئة اللّه ، ولكنها لم تعرف - حتى الآن - كيف تتحرك المشيئة في ولادة هذا المولود العجيب . إشكالات وملاحظات وهنا ملاحظة ، وهي أن الآية تحدثت عن امتداد عمر عيسى عليه السّلام إلى مرحلة الكهولة ، ولكن الأناجيل تصرّح أنه لم يعش في الأرض أكثر من ثلاث وثلاثين سنة ، وقد حاول البعض أن يتحدث عن بلوغه السن المذكورة بعد نزوله من السماء ، ويتحدث بعض آخر عن أن عيسى عليه السّلام بلغ أربعا وستين سنة خلافا للأناجيل . وربّما أوّل بعض المفسرين الآية بأن المراد بها هو أن عيسى عليه السّلام يكلم الناس في المهد بالطريقة التي يكلمهم فيها كهلا ، لأن قضية تكليمه للناس في المهد - وهي مرحلة السنة الثانية - ليس أمرا عجيبا ، لأن أغلب الأطفال يتكلمون بطريقة طفولية معينة ، ولكن العجيب أن يكلّمهم كلاما تاما يعتني به العقلاء من الناس كما يعتنون بكلام الكهل ، فهذا هو الخارق للعادة .