السيد محمد حسين فضل الله

93

من وحي القرآن

يبطل صدقاتهم في ما يريدونه من ثواب ، لأنه يكشف عن طبيعة الدوافع الكامنة في داخل النفس ، البعيدة عن خط التقرب إلى اللَّه في العمل ، تماما كما هو عمل المرائي في إنفاقه لماله على الناس من أجل أن يحصل مدحهم له ورضاهم عن سيرته ، مما يجعل عمله بعيدا عن المنطلقات الخيّرة التي تربطه باللَّه . إن الإنفاق يفقد قيمته ، في هذه الحال ، كقيمة روحية ترتفع بالإنسان إلى خط السموّ الروحي ، في أجواء القرب من اللَّه ، ويتحوّل إلى عمل مادّيّ لا يستهدف الإنسان فيه إلا الحصول على عوض مادّيّ مماثل أو مضاعف ، أو التنفيس عن عقدة مرضيّة ذاتية ضد الآخرين . . . كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . يصف اللَّه هؤلاء المتصدقين المنّانين المرائين ، بأنهم لا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر ، لأن الإيمان ليس مجرد كلمة يقولها ، أو عمل يعمله ، بل هو موقف يستمد حركته من الإيمان باللَّه كحقيقة تحرّك كيانه بالدوافع الروحيّة ، وتدفع خطواته إلى الآفاق الرحبة في مجالات القرب من اللَّه ، فلا قيمة للكلمة الحلوة الخاشعة إذا لم تنطلق من قاعدة الإخلاص في أعماق النفس ، ولا قيمة للعمل الكبير أو الصغير إذا لم يكن ممتدا في الخط المستقيم الذي يحبه اللَّه ويرضاه مما يحقق للحياة سلامتها وكرامتها وانطلاقها في الأهداف العظيمة الكبيرة . وبذلك يفقد الإنسان حركة الإيمان في داخله ، فلا تكون أعماله صدى لنداء الإيمان هناك ، لأنها تحركت من موقع الإخلاد إلى الدنيا ، ولم تتحرك من موقع الرغبة في الآخرة من خلال ثواب اللَّه . فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ . إن اللَّه يضرب لهؤلاء المثل ليعمّق الفكرة من خلال الصورة الحسية ، التي توحي بالعمل المتعب الذي