السيد محمد حسين فضل الله
9
من وحي القرآن
وقد يطرح سؤال : كيف نوفق بين تفضيل بعض الرسل على بعض ورفع بعضهم درجات ، وبين قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 258 ] التي قد يستوحي منها البعض المساواة ؟ والجواب عن ذلك ، أن تلك الآية واردة في مسألة الإيمان بالرسل وأن اللّه يريد للمؤمنين أن يؤمنوا بجميع الرسل ، فلا يؤمن أحدهم برسول لينكر الرسول الآخر ، كما يحدث لدى اليهود الذين أنكروا رسالة عيسى عليه السّلام والنصارى الذي أنكروا رسالة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وليست واردة في الحديث عن الخصائص النبوية في مسألة التفاصيل في المساواة أو الفضل . وقد يطرح سؤال ثان ، لماذا تحدث القرآن عن تفضيل الرسل بعضهم على بعض ليتحدث بعد ذلك عن اختلاف أتباعهم واقتتالهم ؟ وربما يجاب عن ذلك بما أجاب به صاحب الميزان ، بأن الآية في مقام دفع ما ربما يتوهم ، أن الرسالة ، خاصة من حيث كونها مشفوعة بالآيات البينات الدالة على حقية الرسالة ، ينبغي أن يختم بها بليّة القتال : إمّا من جهة أن اللّه سبحانه لما أراد هداية الناس إلى سعادتهم الدنيوية والأخروية بإرسال الرسل وإيتاء البينات ، كان من الحريّ أن يصرفهم عن القتال بعد ويجمع كلمتهم على الهداية ، فما هذه الحروب والمشاجرات بعد الأنبياء في أممهم ، وخاصة بعد انتشار دعوة الإسلام الذي يعد الاتحاد والاتفاق من أركان أحكامه وأصول قوانينه ؟ وإما من جهة أن إرسال الرسل وإيتاء بينات الآيات للدعوة إلى الحق لفرض الحصول على إيمان القلوب ، والإيمان من الصفات القلبية التي لا توجد في القلب عنوة وقهرا ، فما ذا يفيده القتال بعد استقرار النبوّة ؟ ويتابع السيد العلامة الطباطبائي الحديث ، فيجيب عن هذا التوهم : إن الذي يجيب تعالى به : أن القتال معلول الاختلاف الذي بين الأمم ، إذ لولا