السيد محمد حسين فضل الله

86

من وحي القرآن

الذي يعيش هموم المجتمع ، بحيث يشعر أنها همومه الذاتية ، ويتحمل مسئوليته ، في قضاياه الاجتماعية ، على أساس أنها مسئوليته في قضاياه الخاصة ، ليتم الاندماج بين الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية في عملية تكامل إنساني روحي عملي . ولهذا كان العطاء الذي يتمثل في روح الإنفاق ، يحقق للإنسان هذه الشخصية ، الأمر الذي يجعل القيمة للمبدأ بدلا من أن يجعلها للمقدار ، وهذا هو ما نفهمه من الآيات الآتية التي تحدثت عن الثواب من خلال المبدأ والنوعية في الإنفاق ، ولم تتحدث عنه من حيث المقدار والكمية ، كما أثارت موضوع المضاعفة للثواب من دون تحديد ، للإيحاء بتصاعد القيمة النوعية للإنفاق الذي يستوجب التصاعد في الثواب والقرب من اللَّه . وإذا كانت قيمة الإنفاق تتمثل في هذا الجو الروحي والعبادي والاجتماعي ، فلا بد من أن يكون متحركا في خط المفاهيم الإسلامية التي يعيشها الإنسان المسلم في حياته العامة ، لأن ذلك هو الذي يحقق الهدف في تربية الشخصية الإسلامية ونموّها الروحي والعملي . ولهذا أكّدت الآيات على خط سبيل اللَّه الذي يمثل الأعمال والأجواء والأهداف التي يحبها اللَّه ويرضاها ويريد للإنسان أن يحققها ويحياها ، فالإنفاق في الجهاد سبيل من سبل اللَّه ، لأن الجهاد فرض فرضه اللَّه على عباده ، والإنفاق في سبيل رفع المستوى الثقافي والصحي والاجتماعي والديني لعباد اللَّه سبيل من سبل اللَّه ، لأن اللَّه أراد للإنسان أن ينفع عباده في ما يملكه من طاقات ، والإنفاق في سبيل إعانة السائل والمحروم واللهفان ، هو سبيل من سبل اللَّه ، لأن اللَّه أراد للإنسان أن يحمل همّ الضعيف والمحروم والملهوف . وهكذا يتسع سبيل اللَّه ليشمل كل عمل خير ينفع البلاد والعباد في شؤون الدنيا والآخرة . إن التأكيد على خط سبيل اللَّه ، يمثل الفكرة التي تربط القيمة الإنسانية في العمل الإنساني بالخط الذي يتحرك فيه العمل ، لا في ذات العمل بعيدا