السيد محمد حسين فضل الله
77
من وحي القرآن
شميل ، قال : سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى : يأتينك سعيا ، هل يقال للطائر إذا طار سعى ، فقال : لا ، قلت : فما معناه ؟ قال : معناه يأتينك وأنت تسعى سعيا « 1 » . إبراهيم عليه السّلام باحث عن الحقيقة وهذه قصة من قصص الحوار القرآني في حياة إبراهيم عليه السّلام ، الذي أبرز لنا القرآن في شخصيته الإنسانية النبويّة ، شخصية الباحث عن الحقيقة بأسلوب الحوار ، سواء منه الذي كان يثيره مع نفسه ، في تصوير العقيدة الصحيحة حول ذات الخالق ، أو الذي كان يثيره مع الناس في تحطيم عقيدة الأصنام في نفوسهم ، أو الذي كان يثيره مع ربّه في مناجاته له . . . وقد تمثل هذا اللون الأخير في هذه الآية ، فقد سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ، فقد كان يريد أن يشاهد عملية الإحياء على الطبيعة ، وكان الجواب سؤالا تقريريّا : أو لم تؤمن ؟ فإن مثل هذا السؤال قد يصدر ، في صورته هذه ، من غير المؤمن ، فكيف يصدر من إبراهيم الذي جاء من أجل أن يقود الناس إلى الإيمان ؟ ! وكان جواب إبراهيم عليه السّلام بتأكيد إيمانه ، فلم يكن السؤال منطلقا من ذلك ، بل من أجل الحصول على حالة الاطمئنان القلبي الذي يتحرك من مواقع الحس في الحياة ، بما لا يحصل من خلال القناعة الفكرية التي تعتمد على المعادلات العقلية التي تصنع للإنسان إيمانه ، ولكنها لا تمنع الهواجس الذاتية من أن تتحرك في النّفس في نطاق الأوهام الطارئة . ولهذا كانت الرغبة في المشاهدة من أجل تذويب كل ما يخطر في البال من أوهام . وأخيرا ، نفّذ اللَّه له رغبته ، فطلب منه أن يواجه التجربة بنفسه ، وذلك بأن
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 481 .