السيد محمد حسين فضل الله
361
من وحي القرآن
وربما كان من مظاهر الضعف البشري الذي لا ينافي العصمة ، هو هذه الصدمة - المفاجأة التي هزّت أعماقه بالبشارة بالولد وقد بلغا هو وامرأته ما بلغا من الكبر وهو ما لا يتناسب مع واقعية إنجاب الولد ، فقد انطلقت بطريقة عفوية كأية حالة إنسانية في الظروف المماثلة ، في الوقت الذي كان يعيش الثقة باللَّه من خلال إيمانه عندما دعاه أن يرزقه وليّا يرثه ويرث من آل يعقوب ، لكنها الحالات الإنسانية اللاشعورية تماما كما هي التقلّصات الجسدية التي تحدث للإنسان عند حصول أية حالة من الخوف أو الضعف أو الرغبة أو الرهبة من دون اختيار له ، ثم ينطلق الوعي الفكري أو الروحي أو الشعوري لينظّم حركة هذا الشعور ، وليعالج الصدمة ، ويستكين للإيمان الواعي الذي يفلسف الأمور ليرجعها إلى أسبابها وطبيعتها في قدرة اللَّه في الأشياء التي تملك في ذاتها قابلية حركة القدرة فيها . ولعل هذا هو تفسير العجب الذي استولى على زكريا مع إيمانه العميق بالقدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء ، والذي كان وراء الدعاء الخاشع الصادر منه للَّه . وليس من الضروري أن ندخل في تفسير القضية بأنه يريد أن يعيش حالة الشهود والمشاهدة ، لأن الإيمان يمثل حالة في الفكر ، فلا يملك العمق الشعوري الذي ينزل إلى أغوار الذات فيهزّها في لهفة الوعي الحسيّ ، بينما يمثل الشهود حالة الطمأنينة الروحية والسكنية الشعورية التي لا يعرض عليها القلق مهما كان ضعيفا ، وهذا ما لاحظناه ، كما يقول أصحاب هذا التفسير ، في تجربة إبراهيم عليه السّلام الذي لم يكتف بإيمانه بالمعاد من ناحية فكرية ، فأراد أن يشاهد مظهر الخلق ليحصل على المستوى الأعلى للإيمان في الطمأنينة القلبية . وهذه حالة طبيعية لكل إنسان أن يعيش في فكره التساؤل عن تفسير المعجزة الخارقة بالطريقة الحسية .