السيد محمد حسين فضل الله

36

من وحي القرآن

له فقال : « الشفاعة تستلزم نوعا من العلاقة المعنوية بين الشفيع والمشفوع له ، لذلك ، فإن على من يرجو الشفاعة ، أن يقيم في هذه الدنيا علائق روحية مع من يتوقع شفاعته . إن هذه العلائق ستكون - في الواقع - وسيلة من وسائل تربية المشفوع له ، بحيث إنها تقرّبه من مدرسة أفكار الشفيع وأعماله ، وهذا ما سيوصله إلى أن يكون مؤهلا لنيل تلك الشفاعة . وبناء على ذلك ، فالشفاعة عامل تربويّ ، وليست نوعا من المحسوبية والمنسوبية ، ولا ذريعة للتنصل من المسؤولية . ومن هذا يتضح أن الشفاعة لا تغيّر إرادة اللَّه بشأن العصاة المذنبين ، بل إن العاصي أو المذنب - بارتباطه الروحي بشفيعه - يحظى بتربية تؤهله لنيل عفو اللَّه تعالى « 1 » . ولكننا نلاحظ على ذلك أن الشفاعة لا ترتبط بعلاقة المشفوع له بشفيعه ، بل ترتبط بعلاقة الشفيع باللَّه ، فلا ضرورة فيها للصلة الروحية بالشفيع ، لأنه لا يمثل - في معناها القرآني - واسطة ذاتية بحيث يتوجه الإخلاص إليه وينفتح الحب عليه ، بل هو - في هذه الدائرة - من شؤون الإخلاص للَّه والحب له الذي يتمظهر بحب أوليائه والانسجام معهم ، باعتبار أنه من شؤون الارتباط باللَّه . وفي ضوء ذلك ، لا علاقة للمشفوع له بالشفيع من ناحية ذاتية ، بل لا بد له من أن يوثق علاقته باللَّه ويعزز ارتباطه به ، وليكون طلبه للشفاعة تعبيرا عن الدعاء للَّه بأن يجعل بعض أوليائه شافعا له من خلال توسله به عنده في ما يريده من تكريمه له بشفاعته لبعض المذنبين . ولذلك ، فإنها تكون عاملا تربويا يقربه من اللَّه الذي ارتفع الشفيع عنده

--> ( 1 ) الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب اللَّه تعالى ، مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : 1 ، 1413 ه - 1992 م ، ج : 2 ، ص : 175 - 176 .