السيد محمد حسين فضل الله
359
من وحي القرآن
ومن جهة أخرى ، فإن الحديث عن قصة زكريا في سورة مريم يوحي بأن القضية التي كانت تشغل ذهن زكريا هي الامتداد الذاتي في ولده ، وهذا حقّ طبيعيّ له ، والامتداد الرسالي في تراث آل يعقوب في الولد ، النبي الذي يملك الولاية الشرعية ، وهذا هو قوله تعالى : قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [ مريم : 4 - 6 ] . فإنه ظاهر في أن الدعاء كان يستنزل الغيب في أن يرزقه اللَّه ولدا لا في خصوصياته . وبكلمة واحدة ، لقد كانت مريم - وحدها - في وجدانه ، عندما دعا ربه ، وكانت الحاجة - انطلاقا من إحساسه بالفراغ عند رؤيته لمريم - لولد يرثه ويرث من آل يعقوب ، ليكون وليّا يلي من أبيه ما يليه الأبناء من شؤون آبائهم ، وهذا ما يجعل البحث التفسيري في استيحاء الآية في غير محله بالرغم من طرافته . الأمر الثاني : لقد تحدثت الآية عن يحيى أنه « حصور » كميزة أخلاقية ليحيي ، كما تحدثت آية أخرى بالصفة نفسها في الحديث عن عيسى عليه السّلام ، وقد فسرت الكلمة بأن الحصور « هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن تعففا وزهدا . فهل الامتناع عن العلاقة الجنسية مع النساء في دائرة الزواج ، يمثل قيمة أخلاقية كبري أو لا ؟ الظاهر أن الكلمة لا تختزن في ذاتها معنى الامتناع عن الزواج ، فهو سنة اللَّه في الحياة التي أقام عليها امتداد الإنسان في حركة وجوده كما جعله عنوانا للحياة الطبيعية في حاجاتها المتوازنة التي تطمئن إليها نفسه وتسكن فيها روحه ، ولكن المقصود منها ، هو القوّة الروحية التي تنطلق من صلابة الإرادة التي تتمرد على الشهوات ، فتبلغ درجة المناعة الأخلاقية التي يملك