السيد محمد حسين فضل الله

343

من وحي القرآن

بالقلب المطمئن الراضي الذي احتضن في داخله كل التطلعات الإنسانية الروحية نحو اللَّه ، وانطلق الإسلام - من خلاله - كخطّ عريض للحياة في الفكر والأعمال والمشاريع والأهداف ، فقد أوصى بنيه به وعاش بنوه الطيبون ، الرسل الكرام الذين اختصهم اللَّه بنعمته ، فاصطفاهم لرسالاته ، من لدن إسحاق وإسماعيل إلى نبينا الأعظم محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم . . . ولم تكن القضية قضية نسب يعطي الامتياز ، بل هي قضية رسالة واتباع يشير إلى الخط ، كما قال اللَّه سبحانه : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ آل عمران : 68 ] ، ولهذا ، فلا مجال لتعميم الحكم على جميع من انتسب إلى إبراهيم عليه السّلام . أمّا آل عمران ، فقد نلتقي بالنسب الذي ينتمي إليه موسى ، وقد نلتقي بالنسب الذي تنتمي إليه مريم ، وبذلك يلتقي به نسب عيسى عليه السّلام ، لأن النسب ليس واحدا فيهما ، لوجود فترة زمنية كبيرة بين موسى ومريم . ويرى بعض المفسرين أن المراد منهم هنا مريم وعيسى عليه السّلام ، لأن موسى لم يذكر في القرآن بنسبه ، بل ذكره باسمه مجردا عن ذلك ، مما يوحي بأن القرآن يتحدث عنه بصفته الشخصية ، ولأن هذه السورة قد تعرضت لقصة مريم وعيسى بشكل تفصيلي ، بينما لم تتعرض لقصة موسى إلا بطريقة مجملة ، ولا يخلو هذا الرأي من قرب ؛ واللَّه العالم بحقائق الأمور . وكان الاصطفاء لحمل هذه الرسالة من أجل أن يكونوا رسلا ودعاة وهداة للعالمين ، ولا بد في سبيل ذلك من أن يكونوا في تفكيرهم وشعورهم وسلوكهم نماذج متفوّقة في هذا المجال ، ليكونوا القدوة المثلى في القول والعمل وليستطيعوا أن يعطوا الناس من روحيتهم الفيّاضة بالإيمان المنطلقة في خط المسؤولية روحا جديدة عالية ترفع من مستواهم الفكري والروحي والعملي .