السيد محمد حسين فضل الله
327
من وحي القرآن
هل في الآية دلالة على تجسيد الأعمال ؟ حاول بعض المفسرين أن يجد في هذه الآية وأمثالها من الآيات دليلا على نظرية تجسّد الأعمال وحضورها في صورة معينة حسيّة في يوم القيامة ، بحيث يواجه الإنسان واقع عمله الصالح في الدنيا صورة جميلة مشرقة أو نورا يضيء له ذاته ، كما يضيء له الطريق أمامه ، بينما يواجه في عمله السيّئ ، صورة قبيحة منفّرة أو ظلمة تظهر على وجهه وتحيط به من كل جوانبه ، فلا يرى أمامه أية علامة على الطريق . وقد ارتكز في ذلك على أن الآية ظاهرة في أن الإنسان يجد عمله الحسن أو القبيح يوم القيامة ماثلا بطريقة حسية ، فإذا حدّق بعمله السيّئ ورأى صورته المشوّهة التي تبعث على النفور وتدعو إلى التقزّر ، تمنّى لو أنّ الزمن كله يكون فاصلا بينه وبينه ، ويلاحظ أنه لم يتمنّ زواله وغيابه ، لأنه لا مجال لذلك باعتبار وجوده الحسّي الماثل أمامه . وتلتقي هذه الآية - في هذه الدلالة - بقوله تعالى : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] ، وقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 - 8 ] . فإن هذه الآيات تنسب الحضور للعمل نفسه ، كما تدل على أن فاعل الخير أو الشر يرى عمله الخيّر أو الشرير ماثلا أمامه بنفسه . فإذا انتقلنا إلى قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [ الشورى : 20 ] فإننا نستوحي منها أن الإنسان - في عمله - ينثر البذر في الأرض فينمو ويتكاثر كأية حبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة ، فيكون حصاده في الآخرة مضاعفا من خلال حرثه في الدنيا ، وكما يجد الإنسان الحب الكثير من خلال زراعة الحبة