السيد محمد حسين فضل الله

322

من وحي القرآن

يعلم كل شيء يصدر من الإنسان ، فكرا وعملا ظاهرا أو خفيا ، ولا يقف علمه عند حدود الإنسان ، فإنه يعلم ما في السماوات والأرض ، فكل شيء مكشوف لديه ، وكل شيء حاضر عنده ، فكيف يمكن للإنسان ، الذي يعي هذه الحقيقة وعيا وجدانيا عميقا ، أن يستسلم للغفلة ، وأن يلعب لعبة اللفّ والدوران والاستخفاء بعلاقاته المحرّمة وصداقاته المنحرفة التي يحاول أن يعطيها صفة الاستقامة والإخلاص ، وهو يعلم أن اللَّه محيط بكلّ شيء في علمه وقدرته ، وأنّ المصير إليه ، مهما امتدت الحياة به ، ومهما استسلمت خطواته للانحراف . وربما كان في هذا الحديث تذكير للذين يمارسون التقية ، بأن عليهم أن لا يتخذوا من الرخصة فيها وسيلة لتجاوز الحدود المرسومة في دائرتها ، فقد تجتذب أوضاع المستكبرين والكافرين مطامعهم وأحلامهم فيندفعوا في السير معهم بأكثر مما تفرضه القضية المرحلية ، فيؤدي بهم ذلك إلى الانحراف . وهذا ما لا بد للإنسان من الانتباه إليه حتى لا يقع في أحابيلهم وأساليبهم الإغرائية ، وذلك بأن يأخذ من تذكره لرقابة اللَّه عليه وعلمه المطلق بالسرّ والعلن ، وسيلة لتقوية إرادته في موقف الحق . وهذا ما نلاحظه في الكثير من الشخصيات والأحزاب والحركات السياسية ، التي تحمل الكثير من الشعارات الكبيرة على مستوى قضايا الحرية والعدالة ، فتنطلق - بفعل الظروف المعقدة - لتقديم التنازلات للمستكبرين من مواقفها والتزاماتها باسم المرونة الحركية والواقعية السياسية التي قد تلتقي مع مضمون التقية ، فتستريح للنتائج الإيجابية في الحصول على المغريات ، ويمتدّ بها ذلك إلى التحوّل نحو المواقع المنحرفة البعيدة عن الخط المستقيم .