السيد محمد حسين فضل الله
319
من وحي القرآن
الأمور في مستوى عاديّ لا يمثل أيّة مشكلة كبيرة أو أيّة أهميّة عظمي ، من دون فرق بين أن تكون التقيّة في العقيدة أو الشريعة أو في الموقف السياسي أو الاجتماعي أو نحو ذلك . لكن الرخصة في التقية لا تعني فقدان الموقف الواضح الصريح المتحدي المنفتح على التضحية ، للشرعية ، فإن اللَّه قد رخص للناس أن يأخذوا بها ، كما جعل لهم الحرية في الأخذ بموقف القوة والتحدي في مواجهة الأعداء ووعدهم الثواب الكبير على ذلك ، لدلالته على مدى الإخلاص للَّه ورسوله ولدينه في الالتزام بالقضايا الكبرى . وقد تمثّل التقيّة الموقف المتنوع ، فقد مارسها عمار بن ياسر حين نطق بكلمة الكفر ، فأنزل اللَّه فيه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] ، وفي موقف أبويه ياسر وسمية اللذين استشهدا تحت التعذيب وصبرا فكان النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم يمر عليهما ويقول : صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة . وهكذا نجد أن الإسلام يستجيب لرغبة الإنسان المسلم بالشهادة كما يستجيب لرغبته بالحياة . ولا بد للإنسان المستضعف في هذا المجال من أن يدرس - دائما - في موقفه العملي بين الأخذ بالرخصة أو الاندفاع في التحدي ، مصلحة الأمة أو المجتمع أو الدين ، لأن التحدي قد يؤدي إلى مشاكل كبيرة وسلبيات كثيرة على المصلحة العليا ، وربما كانت التقية سببا في ذلك عندما توحي بالسقوط الكبير للموقف الرسالي ، وللأمة في مرحلتها الحساسة ، ليراعي ذلك بشكل واع ، لأن التقية تمثل الموضوع المتحرك في ساحة المصالح والمفاسد ، ولا تمثل الموضوع الثابت الذي يخضع لحكم واحد وخط واحد ، بل إنه يتغير بتغير الظروف والأوضاع ومستوى تأثيره على المصلحة العليا في القضايا الكبرى سلبا أو إيجابا ، فإذا كان الإقدام على التحدي يؤدّي إلى إبادة للأمة