السيد محمد حسين فضل الله

305

من وحي القرآن

بحساب . وقيل : معناه بغير مخافة نقصان لما عنده ، فإنه لا نهاية لمقدوراته ، فما يؤخذ منها لا ينقصها ولا هو على حساب جزء من كذا كما يعطي الواحد منا العشرة من المائة والمائة من الألف » « 1 » . وقيل - كما اختاره صاحب تفسير الميزان - إن توصيف الرزق بكونه بغير حساب ، إنما هو لكون الرزق منه تعالى بالنظر إلى حال المرزوقين بلا عوض ولا استحقاق ، لكون ما عندهم من استدعاء وطلب أو غير ذلك مملوكا له تعالى محضا ، فلا يقابل عطيته منهم شيء ، فلا حساب لرزقه تعالى . وأما كون نفي الحساب راجعا إلى التقدير بمعنى كونه غير محدود ولا مقدّر ، فيدفعه آيات القدر كقوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] ، وقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [ الطلاق : 2 - 3 ] ، فالرزق منه تعالى عطية بلا عوض ، لكنه مقدر على ما يريده تعالى » « 2 » . ولعل الأقرب إلى جوّ الآية أن تكون الكلمة كناية عن عدم محدودية رزقه من حيث عدم محدودية ملكه ، فإنه يعطي كل موجود حاجاته مهما كثرت واتسعت ، فكلما تطورت حاجاته ازداد رزقه ، فلا حاجة به إلى الحساب ، لأنه شأن المحدود الذي قد تختل موارده باتساع الأمور والحاجات في عطائه ، أمّا اللَّه - سبحانه - فهو المطلق في ذاته والمطلق في غناه ، فلا ينفد ما عنده بالإنفاق والعطاء ، لأنه لا حدّ له في ملكه . وفي ضوء ذلك ، قد تكون إيحاءات هذه الفقرة أن على العباد أن يلجأوا إلى اللَّه في حاجاتهم ، فلا يتحرجوا من طلب أيّ شيء مهما ازدادت حاجاتهم ، لأن عطاءه لا حدّ له ولا حساب ، وربما يلتقي هذا المعنى

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 550 . ( 2 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 163 - 164 .