السيد محمد حسين فضل الله

303

من وحي القرآن

الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ إن عملية إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل ، تشير إلى نقصان كل منهما لحساب زيادة الآخر ، وبالعكس ، حسب اختلاف الفصول ، فكأنّ أحدهما داخل في الآخر باعتبار أنه أخذ المساحة التي كان يحتلها هذا الآخر ، وهو من دلائل قدرته المطلقة التي تتصرف في خط الزمن من دون اختلال في التوازن ، بل هو التغيير الخاضع لنظام الكون القائم على أساس الحكمة والتدبير . وأمّا إخراج الحي من الميت ، فإنه يتمثل في الوضع الطبيعي في إخراج الأحياء من النبات والحيوان من الأرض الميتة العديمة الشعور . وقد ورد في هذه الآية تفسير آخر ، بأن يكون المراد من الميت الكافر والحي المؤمن ، باعتبار أن اللَّه تعالى سمّى الإيمان حياة ونورا والكفر ظلمة ، كما قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] ، ولكن الظاهر أن التفسير وارد مورد الاستيحاء لا مورد بيان المعنى من اللفظ ، فإن سياق الآية وارد في ما هو من مظهر القدرة من خلال ما يشتمل عليه من عجائب الخلق مما يناسب أن يكون متعرضا للظاهرة في حركتها الكونية . وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فاللَّه هو مصدر الرزق للناس وللموجودات كلها ، فهو الذي يعطيها حاجاتها التي يتوقف عليها وجودها وامتدادها ، من خلال ما أودعه في الأرض من أنواع العناصر الساكنة والمتحركة ، التي تهيّئ الفرص لإنتاج الحاجات وتوفير الشروط اللازمة لذلك ، من غير فرق بين الإنسان المؤمن والكافر ، بل إن ذلك يمتد إلى كل الموجودات التي تكفّل اللَّه برزقها - في حاجاتها الوجودية - منذ خلقها . وهذه هي سنته الكونية التي أودعها في الكون ليكون منتجا لكل الحاجات الوجودية من موقع المعنى الوجودي التكويني الذي تتحرك