السيد محمد حسين فضل الله
294
من وحي القرآن
وأمي يا رسول اللَّه ، لقد رأيت شيئا ما رأيت منك قط ، فالتفت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم إلى القوم وقال : رأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا : نعم يا رسول اللَّه ، قال : ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها ، ثم ضربت ضربتي الثانية ، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها ، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها ، فأبشروا ، فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد للَّه موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر ، فقال المنافقون . ألا تعجبون يمنّيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق ولا تستطيعون أن تبرزوا ، فنزل القرآن وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [ الأحزاب : 12 ] ، وأنزل اللَّه في هذه القصة ، قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ الآية . رواه الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف « 1 » . ونلاحظ أنّ هذه الروايات قد تكون واردة على سبيل الاجتهاد من قبل أصحابها ، ولذا اختلف هؤلاء في زمن نزولها بين من جعله بعد فتح مكة ، ومن جعله في وقعة الخندق ، لأن القضية التي تتضمنها الآيتان واردة في تأكيد قدرة اللَّه وهيمنته على الأمر كله والخلق كله ، باعتبار ذلك من أسس العقيدة الإسلامية التوحيدية مما لا يحتاج فيه إلى مناسبة معينة ، تماما ، كما هو التوحيد في مضمونه الفكري والروحي . ولعل الآية الثانية الواردة في سياق الآية الأولى تؤكد ذلك ، فإن الظاهر
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 548 ، 549 .