السيد محمد حسين فضل الله

276

من وحي القرآن

وإذا تحقق التصديق ، فإنه يجتذب الإقرار الذي يعني الانتماء للفكرة من موقع الإقرار بها والإعلان عنها ، لأن القناعة بالانتماء تؤدي إلى شجاعة الاعتراف بمقتضاه . وهكذا يتحول الإقرار الذي يمثل الالتزام الجدي الواضح الصريح إلى الالتزام بالمسؤولية وبالأداء الحركي الذي هو العمل في مظهره الحي ، وهو الطاعة بامتثال أوامر اللَّه ونواهيه ، ومن خلال ذلك ، نعرف أن الإسلام ليس كلمة مجردة ، وليس عملا جامدا ، بل هو كلمة تنطلق من عقيدة ، وعقيدة تنطلق من قناعة ، وموقف يتحرك في خط الالتزام بالمسؤولية وحركة العمل . إن مسألة الإسلام هي مسألة روح في معنى الذات ، والتزام في خط العمل ، وعلم في آفاق الإيمان . اختلف أهل الكتاب فضلّوا وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فقد ابتعدوا عن روحية الإسلام واستسلموا للعوامل الذاتية التي تتحكم في تعاملهم مع خط العقيدة والعمل ، فانطلقوا بروحية البغي والعدوان يثيرون الخلافات التي تفرق الناس عن الحق ، من دون أن يكون لهم أساس من شبهة أو قاعدة من علم ، بل القضية على العكس من ذلك ، فهم يعرفون الحق على أساس العلم الذي يملكونه في ما يعرفونه من كتاب اللَّه الذي أنزله اللَّه على موسى وعيسى عليهما السّلام . وذلك هو أساس التفرق في ما يتفرق به أهل الأديان وأهل المذاهب في الدين الواحد ، فهم لا يسلمون فكرهم وعقلهم للَّه عندما يتناقشون ، ليجدوا الانفتاح الذي لا مجال معه للانغلاق على روح العصبية العمياء ، ولو أسلموا أنفسهم للَّه ، لانطلقوا إلى الحقيقة في روح التعاون على فهمها وإزالة الغموض عنها ، بحيث يتسابقون إلى اللقاء عليها بدلا من التسابق إلى الوقوف عند الحدود التي كانوا فيها من دون أية