السيد محمد حسين فضل الله

273

من وحي القرآن

ومن خلال كل هذه الأجواء الغيبية التي عاشوها في رحاب اللَّه في وظائفهم الكونية ، وفي مسئولياتهم السماوية ، وفي شمولية التجربة في آفاق السماء والأرض ، في الحدود التي أمكن لهم أن يصلوا إليها ويعرفوها ، أدركوا التوحيد في حقيقته التي لا ترفض أية فكرة للربوبية بعيدا عن اللَّه ، فهم يعرفون حجم المخلوقات في دائرة تجربتهم ، ويعرفون عظمة اللَّه في كل مظاهر خلقه ومواقع قدرته ، فلا يرون له مثيلا ولا شريكا ، فيشهدون من عمق الإيمان في وعيهم للحقيقة التوحيدية أنه لا إله إلا هو . وَأُولُوا الْعِلْمِ هؤلاء الذين انفتحوا بعقولهم وتجاربهم على الوجود في تفاصيله وفي عناصره وفي مواقع العظمة فيه وأسرار الإبداع في حركته ، وتطلعوا - في عملية مقارنة وتأمّل وتفكير - إلى كل مواقع القدرة في الكون مما تتحرك به المخلوقات الكبيرة العظيمة هنا وهناك ، فرأوا أنها لا تملك شيئا من معنى العظمة وسرّ القدرة إلا باللَّه ، فآمنوا أنه لا إله إلا هو ، ولعلّ من الواضح أن المراد بالعلماء هنا كل الذين يملكون العلم الذي ينفتح على توحيد اللَّه من خلال الانفتاح على أسرار عظمته وحكمته وقدرته ، ولا خصوصية لأحد في ذلك من حيث المبدأ ، ولكن هناك ما يتميز به عالم عن عالم في درجة المعرفة ، الأمر الذي يجعلهم في وعي للتوحيد بطريقة أعمق وأفق أرحب . قائِماً بِالْقِسْطِ حال من فاعل قوله : شَهِدَ اللَّهُ فقد شهد اللَّه توحيد ذاته من خلال قيامه بالعدل الذي لا ينفصل عنه ، لأن عدالته جزء من معنى الألوهية ، ومظهر لغناه عن عباده ، فلا يظلمهم ، لأن الظلم دليل فقر وضعف ، وهكذا كان قيامه بالقسط في النظام الكوني بكل وجوداته ، لأنه أعطى كل موجود حقه بما منحه إياه من حاجته ، فكان الوجود كله في وعيه الذاتي الوجودي لربه مظهرا حيّا للشهادة الكونية بتوحيده ، ولعل التركيز على