السيد محمد حسين فضل الله
264
من وحي القرآن
[ الأعراف : 32 ] ، ولازم انطباق المعنى أن يكون فاعل التزيين في هذه الآية أيضا هو اللَّه سبحانه . قلت : بين الآيتين فرق من حيث المقام ، فإن المقام في ما نحن فيه ، مقام ذمّ هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها وإلهائها الناس عما لهم عند اللَّه ، وحثّهم على الإعراض عنها والتوجه إلى ما عند اللَّه سبحانه ، بخلاف تلك الآية ، فإنها مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للإنسان ، وأنها للمؤمنين في هذه الدنيا بالاشتراك في الدنيا وبالاختصاص في الآخرة ، ولذلك بدل لفظ الناس هناك بلفظ العباد وعدت هذه الزينة رزقا طيبا . وإن قلت : إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات ، ومن المعلوم أن تزيين الحب للإنسان وجذبه لنفسه وجلبه لقلبه ، أمر طبيعي وخاصة ذاتية له فيؤول معنى تزيين الحب للناس إلى جعل الحب مؤثرا في قلوبهم أي خلق الحب في قلوبهم ، ولا ينسب الخلق إلا إلى اللَّه سبحانه ، فهو الفاعل في قوله : زين . قلت : لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره ، فإن الزينة هي الأمر المطلوب الجالب الذي ينضم إلى غيره ليجلب الإنسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه ، كما أن المرأة تتزين بضم أمور تستصحب الحسن والجمال إلى نفسها ليقصدها الرجل بها ، فالمقصود هو بالحقيقة تلك الأمور والمنتفع من هذا القصد هي المرأة . وبالجملة ، فيؤول معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث يؤدّي إلى التولّه فيه والولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو الظاهر من معنى قوله تعالى : * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ