السيد محمد حسين فضل الله
260
من وحي القرآن
التي تحدث عنها اللَّه في ما زيّنه للإنسان ، كما في قوله تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [ الأنعام : 108 ] فإن الناس مجبولون على أن يرى أيّ واحد منهم العمل الصادر منه عن قناعة حسنا ، لأن ذلك هو لازم قناعته به . ولعل هذا الذي ذكر في الآية من طبيعة الجانب المادي في الإنسان الذي يستدعي الحركة نحو هذه الأمور ، وليس في ذلك أيّ سوء يتنافى مقتضاه مع العدالة ، لأن حبّ هذه الأمور لا يفرض المعصية في ممارستها ، بل يمكن للإنسان أن يمارسها في موقع الطاعة ، كما يمكن أن يمارسها من موقع المعصية ، ولهذا كانت الفكرة المقابلة لها منطلقة من قاعدة إثارة الاهتمام باللذات التي تنتظر الإنسان في الحياة الآخرة ، لئلا يستسلم للذّات الحياة الدنيا استسلاما كليّا ، بحيث يندفع إلى الانحراف عن خط اللَّه في سبيل الحصول عليه ، فالآية ليست واردة في مورد الرفض المطلق لهذه الشهوات ، بل هي واردة في مورد الموازنة بينها وبين شهوات الآخرة الدينية والروحية ، في مجال الحاجة إلى إقامة التفاضل فيما بينها ، واللَّه العالم بحقائق آياته . وقد أثار صاحب تفسير الميزان عدة ملاحظات للاستدلال على رأيه في أن فاعل « زين » هو « الشيطان » لا « اللَّه » ، فقال : « أما أولا فلأن المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد واستغنائهم بتزينها لهم عن اللَّه سبحانه ، والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن اللَّه الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى » « 1 » . ونلاحظ على هذا الكلام ، أنه لا ظهور للآية في هذا المعني ، بل هي - على الظاهر - واردة في مقام المقارنة بين نعيم الحياة الدنيا مما يتصل بالحاجات الحسية للناس ، ونعيم الحياة الأخرى والتأكيد على ما تتميز به لذّات الآخرة عن لذّات الدنيا والحث على التقوى وطلب ما عند اللَّه
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 118 .