السيد محمد حسين فضل الله

248

من وحي القرآن

وانتصارهم على المشركين الذين كانوا يملكون السلاح الأقوى والجماعة الأكثر والاستعداد الأكبر ، يدل على أن الإيمان مع بعض القوة المادية قد يؤدي إلى الانتصار للمؤمنين في المستقبل ، كما في الماضي . وهكذا ظهر صدق النبوءة القرآنية في هزيمة المشركين وغيرهم بعد ذلك حتى فتح اللَّه على نبيه مكة ، بعد أن هزم المشركين واليهود في معركة الأحزاب وبني قريظة والنضير وقينقاع ، وجاء نصر اللَّه والفتح . القرآن والأسلوب الحاسم ربما كانت هذه الآيات واردة في نطاق الخطة التربوية للمسلمين الذين كانوا واقعين تحت ضغط الحالة النفسية الصعبة في ما يرونه من مظاهر القوّة المادية لدى الكافرين ، الأمر الذي قد يوحي لهم بمشاعر الضعف ، كما يوحي للكافرين بمشاعر القوّة والكبرياء والاستعلاء . . . فأراد اللَّه أن يكشف الواقع الذي يختفي خلف مظاهر القوّة ، وهو واقع الضعف في طاقاتهم ، فهم لا يملكون قوّة تدفع عنهم العذاب ، كما أن هذه المظاهر لا تستطيع لهم شيئا ، فهي خاوية لا تحوي قيمة نافعة ، ليعرف المؤمنون من خلال ذلك أن القوّة لهم بإيمانهم الذي يملأ حياتهم بالقوّة من خلال اللَّه ، فيواجهوا الكافرين بهذه الروح من خلال هذا الموقع . وهكذا يريد اللَّه لهم أن يفكروا ويتعمقوا ليرتبطوا بالأشياء من خلال نتائجها وعواقبها ، لا من خلال ظواهرها وأشكالها ، ليحفظوا نظرتهم للواقع من السطحية ، ويصونوا خطواتهم وأفكارهم من الاهتزاز .