السيد محمد حسين فضل الله
23
من وحي القرآن
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ إن هذه الفقرة من الآية تحمل الحقيقة العقيدية الإيمانية في النظرة إلى مقام اللَّه في وعي الإنسان المؤمن ، وموقعه منه ، فإن اللَّه الذي يملك العبد بكل وجوده ، فله كل شيء فيه ، وليس له من ربه شيء ، ليس من شأنه أن يقدّم أيّ تفسير لأفعاله وأوامره ونواهيه أمام عباده ، بل إن الواجب عليهم أن يخضعوا له في ذلك كله ، فهم لا يملكون حرية الاختيار معه ، وهذا هو قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [ الأحزاب : 36 ] وقوله تعالى : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ، فهو الرب الخالق المهيمن على الكون كله والإنسان كله ، الحكيم في ما يقول ويفعل ، وهم المربوبون له ، فعليهم أن يسلّموا له كل أمورهم في الوعي انسجاما مع حركة هذا الخط في التكوين ، وهذا هو معنى الإيمان الحق في أصالة العقيدة في الذات والفكر والشعور . وليس معنى ذلك أن لا يتطلبوا المعرفة في أسرار أفعاله وأقواله المتعلقة بهم وبالحياة من حولهم ، فإن اللَّه قد وجههم ليعلموا علم ذلك ، ولكن من باب المعرفة التي تبحث عن وعي الكون والحياة في تقدير اللَّه وتدبيره وقضائه وقدره ، لا من باب البحث عن أساس الشرعية في انسجامهم مع إرادات اللَّه وأفعاله ، فهو الذي يفعل ما يريد ، لأن الوجود كله صنع إرادته ، فله أن يصنع فيه ما يشاء لتكون مشيئته هي الأساس ، بعيدا عن أية مشيئة أخرى ، وهذه هي العبودية الحقة في موقف العبد أمام ربه ، المتمثلة بالتسليم المطلق وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [ هود : 118 ] ، لأن حكمته اقتضت ذلك ، وهو أعلم بأسرارها ، ولأن إرادته فرضت ذلك .