السيد محمد حسين فضل الله
224
من وحي القرآن
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي القاعدة التي ترجع إليها كل الآيات في معناها ، باعتبارها تمثل الحقيقة الحاسمة التي لا ريب فيها ولا التباس يمكن لأصحاب القلوب الزائغة استغلالها لحرف الناس عن جادة الحق والصواب . فعند هذه الآيات الأصل تلتقي كل حقائق المعرفة ، وإليها ترجع كل الاحتمالات . وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ لا تملك من الوضوح في الدلالة على معناها ما تملكه الآيات المحكمات ، فقد يتردد معناها بين نوعين من المعاني من حيث تبادر المعنى الحقيقي من اللفظ عند إطلاقه ، فيخيّل للسامع أنه المراد منه ، ومن حيث وجود بعض القرائن الموحية بالمعنى المجازي أو الكنائي ، وذلك كما في قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ، فإن كلمة الاستواء على العرش قد توحي بالجلوس عليه والاستقرار فوقه بالمعنى المادي بما يدل على التجسيم للذات الإلهية ، تماما كبقية الأجسام التي يعرض عليها القيام والقعود . وقد يكون المراد به الاستواء المعنوي بمعنى السيطرة والهيمنة على الملك من حيث استعارته كلمة العرش للملك وكلمة الاستواء للسيطرة ، فيدور الأمر بينهما ، فنرجع إلى الآية المحكمة التي لا مجال فيها لأيّ تأويل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، التي تنفي عن اللَّه - بكل وضوح وصراحة - كل مماثل في الذات ، فتنفي عنه مماثلته للمخلوقات في الجسد ، فيتعين المعنى الثاني الذي يبدو واضحا محكما بلحاظ هذه الآية . وهكذا نلتقي بقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 - 23 ] ، فإنها توحي - في البداية - من خلال معنى الإبصار المنفتح على اللَّه بشكل حسيّ تماما كما لو كان جسما يرى ، لأن معنى اللفظ - بحسب الوضع - هو ذلك ، ولكننا إذا قارناه بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] ، التي تدل دلالة واضحة على امتناع إدراك