السيد محمد حسين فضل الله

210

من وحي القرآن

وليتحركوا إلى الحياة في مسئولياتهم من خلاله ، لتقوم حركة الإنسان في علاقاته ومعاملاته وكل أوضاعه وشؤونه على أساس الحق ، كما قامت السماوات والأرض ، لأن اللَّه خلقها به . وقد قيل في توجيه التعبير بكلمة نزّل ، بدلا من أنزل ، لأن التنزيل يدلّ على التدريج ، فأريد التنبيه على طريقة القرآن في النزول . وذكر صاحب الميزان - الذي أورد هذه الملاحظة من النكتة التعبيرية ، أنه « ربما ينقض ذلك بقوله : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] ، وبقوله تعالى : أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً [ المائدة : 112 ] ، وقوله تعالى : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ [ الأنعام : 37 ] وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ [ الأنعام : 37 ] ، ولذلك ذكر بعض المفسرين أن الأولى أن يقال : إن معنى نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ : أنزله إنزالا بعد إنزال ، دفعا للنقض . والجواب : أن المراد بالتدريج في النزول ليس هو تخلّل زمان معتدّ به بين نزول كل جزء من أجزاء الشيء وبين جزئه الآخر ، بل الأشياء المركبة التي توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الأجزاء ، وبذلك يصير الشيء أمرا واحدا غير منقسم ، والتعبير عنه من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [ الرعد : 17 ] ، وهو الغيث . ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد ، سواء تخلل بينهما زمان معتدّ به أو لم يتخلل وهو التدريج والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ [ الشورى : 28 ] . ومن هنا يظهر أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة ، فإن المراد بقوله : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً الآية ، أن ينزّل عليه القرآن آية بعد آية في زمان متصل واحد من غير تخلل زمان معتدّ به ، كما كان عليه الأمر في نزول القرآن في الشؤون والحوادث والأوقات المختلفة ، وبذلك يظهر