السيد محمد حسين فضل الله

205

من وحي القرآن

يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ؟ قالوا : بلى . قال : فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : أفلستم تعلمون أن اللَّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ؟ قالوا : بلى . قال : فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلّا ما علم ؟ قالوا : لا . قال : فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء ، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث ؟ قالوا : بلى . قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غذّي كما تغذي المرأة الصبي ، ثم كان يأكل الطعام ، ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث ؟ قالوا : بلى . قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ فعرفوا ثم أبوا إلّا جحودا ، فأنزل اللَّه ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ « 1 » . ويرى صاحب تفسير الميزان أن ما تضمنته الروايتان من نزول أول السورة ، « كأنه اجتهاد منهم » « 2 » ، لأنه استظهر « أن تكون هذه السورة نازلة دفعة واحدة ، فإن آياتها - وهي مائتا آية - ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها إلى آخرها ، متناسبة آياتها ، مرتبطة أغراضها . ولذلك كان مما يترجح في النظر أن تكون السورة إنما نزلت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وقد استقر له الأمر بعض الاستقرار ولما يتم استقراره ، فإن فيها ذكر غزوة أحد ، وفيها ذكر المباهلة مع نصارى نجران ، وذكرا من أمر اليهود ، وحثّا على المشركين ، ودعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة ، وجميع ذلك يؤيد أن السورة نزلت أيام كان المسلمون مبتلين بالدفاع عن حمى الدين بعامّة قواهم وجميع أركانهم ، فمن جانب كانوا يقاومون الفشل والفتور اللذين يدبّان في داخل جماعتهم بفتنة اليهود والنصارى ويحاجونهم ويحاربونهم ، ومن جانب كانوا

--> ( 1 ) م . س . ، ج : 2 ، ص : 4 - 5 . ( 2 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 18 .