السيد محمد حسين فضل الله
172
من وحي القرآن
ولا بد لنا من أن نشير في هذا المجال إلى أن طبيعة التشريع لا تمنع من وجود سلبيات إلى جانب الإيجابيات ، لأنه ليس هناك فعل يكون خيرا كله أو شرا كله ، بل هناك خير يصاحب بعض الشر أو شرّ يصاحب بعض الخير ، مما يجعل القضية ، في جانب الوجوب أو الحلّية ، خاضعة لزيادة جانب الخير على جانب الشر ، أما في طرف التحريم ، فتخضع للعكس ، وهو غلبة جانب الشر على جانب الخير ، فلا بد من السلبيّات على كل حال ، ولكنها تختلف شدة وضعفا وزيادة ونقيصة تبعا لطبيعة الموضوع في أجواء التشريع ، واللَّه العالم بحقائق أحكامه . وهناك نقطتان في التفسير : ( الأولى ) : قوله تعالى فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى . فقد وضع الظاهر موقع المضمر ، وربما قيل : إن المناسب أن يقول ( فتذكرها الأخرى ) ، وأجاب صاحب الميزان عن ذلك فقال : « والنكتة فيه اختلاف معنى اللفظ في الموضعين ، فالمراد من الأول إحداهما لا على التعيين ، ومن الثاني إحداهما بعد ضلال الأخرى ، فالمعنيان مختلفان » « 1 » . وهو جيّد ، وربما كان ذلك للتأكيد ، ولعله أقرب ، لأن كلمة إحداهما الأولى تختزن في داخلها المعنى الأول الذي ذكره تفسيرا للكلمة الثانية ، فيمكن الاستغناء بها عنها ، وهناك وجهان آخران ذكرهما صاحب المجمع ؛ الأول : أنه إنما كرر ليكون الفاعل مقدما على المفعول ، ولو قال : فتذكرها الأخرى ، لكان قد فصل بين الفعل والفاعل بالمفعول ، وذلك مكروه . و ( الثاني ) ما قاله حسين بن علي المغربي إن معناه أن تضل إحدى الشهادتين ، أي تضيع بالنسيان ، فتذكر إحدى المرأتين الأخرى لئلا يتكرر لفظ إحداهما بلا معنى . ويؤيد ذلك أنه لا يسمي
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 440 .